شباب من تاريخنا

عثمان بن مظعون

إذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق سبقهم الزمني إلى الإسلام فاعلم إذا بلغت الرقم الرابع عشر أن صاحبه هو عثمان بن مظعون.

واعلم كذلك، أن ابن مظعون هذا، كان أول من توفي بالمدينة من المهاجرين، كما كان أول المسلمين دفنا بالبقيع.

واعلم أخيرا، أن هذا الصحابي الجليل الذي تطالع الآن سيرته كان راهبا عظيما، لا من رهبان الصوامع، بل من رهبان الحياة.

أجل، كانت الحياة بكل جيشانها، ومسؤولياتها، وفضائلها، هي صومعته.

وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح.

عندما كان الإسلام يتسرب ضوءه الباكر الندي من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كلماته عليه الصلاة والسلام التي يلقيها في بعض الأسماع سرا وخفية.

كان عثمان بن مظعون هناك، واحدا من القلة التي سارعت إلى الله والتفت حول رسوله.

ولقد نزل به من الأذى والضر، ما كان ينـزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين.

وحين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية، آمرا إياها بالهجرة إلى الحبشة، مؤثرا أن يبقى في مواجهة الأذى وحده، كان عثمان بمن مظعون أمير الفوج الأول من المهاجرين، مصطحبا معه ابنه السائب موليا وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله أبي جهل، وضراوة قريش وهول عذابها.

وكشأن المهاجرين إلى الحبشة في كلتا الهجرتين، الأولى والثانية، لم يزدد عثمان بن مظعون رضي الله عنه إلا استمساكا بالإسلام، واعتصاما به.

والحق أن هجرتي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة، ومجيدة، في قضية الإسلام.

فالذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها، وجهالاتها، وكانوا يحملون فطرة سديدة لم تعد تسيغ عبادة أصنام منحوتة من حجارة أو معجونة من صلصال.

وحين هاجروا إلى الحبشة واجهوا فيها دينا سائدا، ومنظما، له كنائسه وأحباره ورهبانه.

وهو - مهما تكن نظرتهم إليه- بعيد عن الوثنية التي ألفوها في بلادهم، وعن عبادة الأصنام بشكلها المعروف وطقوسها التي خلفوها وراء ظهورهم.

ولابد أن رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهودا لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم، وإقناعهم بالمسيحية دينا.

ومع هذا كله نرى أولئك المهاجرين يبقون على ولائهم العميق للإسلام ولمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مترقبين في شوق وقلق، ذلك اليوم القريب الذي يعودون فيه على بلادهم الحبيبة، ليعبدوا الله وحده، وليأخذوا مكانهم خلف رسولهم العظيم، في المسجد أيام السلام، وفي ميدان القتال، إذا اضطرتهم قوى الشرك للقتال.

في الحبشة - إذن - عاش المهاجرون، آمنين مطمئنين، وعاش معهم عثمان بن مظعون، الذي لم ينس في غربته مكايد ابن عمه أمية بن خلف، وما ألحقه به وبغيره من أذى وضر، فراح يتسلى بهجائه ويتوعده:

تريش نبالا لا يواتيك ريشها

وتبري نبالا، ريشها لك أجمع

وحاربت أقواما كراما أعزة

وأهلكت أقواما بهم كنت تفزع

ستعلم إن نابتك يوما ملمة

وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع

وبينما المهاجرون في دار هجرتهم يعبدون الله، ويتدارسون ما معهم من القرآن، ويحملون -رغم الغربة- توهج روح منقطع النظير، إذ الأنباء تواتيهم أن قريشا أسلمت، وسجدت مع الرسول الواحد القهار.

هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا إلى مكة تسبقهم أشواقهم، ويحدوهم حنينهم.

بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبينوا كذب الخبر الذي بلغهم عن إسلام قريش.

وساعتئذ سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد عجلوا، ولكن أنى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر.

وقد سمع مشركوا مكة بمقدم الصيد الذي طالما طاردوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه، ثم ها هو ذا الآن، تحين فرصته، وتأتي به مقاديره.

كان الجوار - يومئذ- تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والإجلال، فإذا دخل رجل مستضعف في جوار سيد قرشي، أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم، ولا يضطرب له مأمن.

ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار.

من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة، كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون، الذي دخل في جوار الوليد بن المغيرة.

وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا، ومضى يعبر دروبها، ويشهد ندواتها، لا يسام خسفا ولا ضيما.

ولكن ابن مظعون الرجل الذي يصقله القرآن، ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم، يتلفت حواليه فيرى إخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين، الذين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا، يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب، والبغي يطاردهم في كل سبيل، بينما هو آمن في سربه، بعيد من أذى قومه، فيثور روحه الحر، ويجيش وجدانه النبيل، ويتفوق بنفسه عن نفسه، ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد، وأن ينضو عن كاهله تلك الحالة التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله، وشرف الشبه بإخوانه المسلمين، طلائع الفئة المؤمنة، وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غدا إيمانا، وتوحيدا، ونورا. يتبع