شباب من تاريخنا

سلمان الفارسي

من بلاد فارس , يجيء البطل هذه المرة .

بعد , فجعل منهم أفذاذاً ولا يلحقون في الإيمان , وفي العلم . . .

ومن بلاد فارس , عانق الإسلام مؤمنون كثيرون فيما بعد ، فجعل منهم أفذاذاً ولا يلحقون في الإيمان وفي الدين , وفي الدنيا . .

وإنها لإحدى روائع الإسلام وعظمائه , ألا يدخل بلداً من بلاد الله إلا ويثير في إعجاز باهر , كل نبوغها ويحرك كل طاقتها, ويخرج خبء العبقرية المستكنة في أهلها وذويها .

فإذا الفلاسفة المسلمون . . والأطباء المسلمون . . والفقهاء المسلمون . . والفلكيون المسلمون . . وعلماء الرياضة المسلمون ..

وإذ بهم يبزغون من كل أفق , ويطلعون من كل بلد , حتى تزدحم عصور الإسلام الأولى بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل , والإرادة , والضمير . . . أوطانهم شتى , ودنيه واحد . . . ! !

ولقد تنبأ الرسول عليه السلام بهذا المد المبارك لدينه . . لا , بل وعد به وعد صدق من ربه الكبير العليم . . . ولقد زُوي له الزمان والمكان ذات يوم , ورأى رأي العين راية الإسلام تخفق فوق مدائن الأرض , وقصور أربابها . . .

وكان سلمان الفارسي شاهداً . . . وكان له بما حدث علاقة وُثـقى .

كان ذلك يوم الخندق . . في السنة الخامسة للهجرة , إذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين مكة , مؤلبين المشركين ومحزبين الأحزاب على الرسول والمسلمين , متعاهدين معهم على أن يعاونوهم في حرب حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد .

ووضعت خطة الحرب الغادرة , على أن يهاجم جيش قريش وغطفان " المدينة " من خارجها , بينما يهاجم بني قريظة من الداخل , من وراء صفوف المسلمين , الذين سيقعون آنئذ بين شقي رحم تطحنهم وتجعلهم ذكرى . . ! !

وفوجىء الرسول والمسلمين يوماً بجيش بجيش لجب يقترب من المدينة في عدة متفوقة وعتاد مدمدم

, وكاد صوابهم يطير من هول المباغتة . وصور القرآن الموقف , فقال : ( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) .

أربعة وعشرون ألف مقاتل تحت قيادة أبي سفيان وعيينة بن حصن يقتربون من المدينة ليطوقوها وليبطشوا بطشتهم الحاسمة كي ينتهوا من محمد ودينه , وأصحابه . .

وهذا الجيش لا يمثل قريشاً وحدها . . . بل ومعها كل القبائل والمصالح التي رأت في الإسلام خطراً عليها .

إنها محاولة أخيرة وحاسمة يقوم بها جميع أعداء الرسول :؛ أفراداً , وجماعات , وقبائل , ومصالح . . .

ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب . وجمع الرسول أصحابه ليشاورهم في الأمر . . وطبعاً أجمعوا على الدفاع والقتال . . ولكن كيف يكون الدفاع ؟ ؟ .

هناك تقدم الرجل طويل الساقين , الغزير الشعر , , الذي كان الرسول يحمل له حباً عظيماً , واحتراماً كبيراً .

تقدم " سلمان الفارسي " وألقى من فوق هضبة عالية , نظرة فاحصة على المدينة , فألفاها _ كما عهدها _ محصنة بالحبال والصخور المحيطة بها . . بيد أن هناك فجوة واسعة , ممتدة ومهيأة , يستطيع الجيش أن يقتحم منها الحمى في يسر .

وكان " سلمان " قد خبر في بلاده فارس الكثير من وسائل الحرب وخدع القتال , فتقدم للرسول صلى الله عليه وسلم بمقترحه التي لم تعهده العرب من قبل في حروبها . . . وكان عبارة عن حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة .

والله يعلم , ماذا كان المصير الذي ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لم يحفروا الخندق الذي لم تكد قريش تراه حتى دوختها المفاجأة , وظلت قواتها جاثمة في خيامها شهراً وهي عاجزة عن اقتحام المدينة , حتى أرسل الله _ تعالى _ عليها ذات ليلة ريح صرصر عاتية اقتلعت خيامها , وبددت شملها . . .

ونادى أبو سيفان في جنوده آمراً بالرحيل إلى حيث جاؤوا . . فلولاً يائسة منهوكة . . ! !

خلال حفر الخندق كان " سلمان " يأخذ مكانه مع المسلمين وهم يحفرون ويدأبون وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحمل معوله ويضرب معهم . وفي الرقعة التي يعمل فيها " سلمان" مع فريقه وصحبه ., اعترض معاولهم صخرة عاتية . .

كان سلمان قوي البنية , شديد الأسر وكانت ضربة واحدة في ساعده الوثيق تفلق هام الصخر وتنثره شظايا , لكنه وقف أمام هذه الصخرة عاجزاً . . وتواصى عليها بمن معه جميعاً فزادتهم رهقاً . . ! !

وذهب " سلمان " إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيروا مجرى الحفر تفادياً الصخرة العنيدة المتحدية .

وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام مع " سلمان " يعاين بنفسه المكان والصخرة .

وحين رآها , دعا بمعول , وطلب من أصحابه أن يبتعدوا قليلاً عن مرمى الشظايا . . وسمى الله , ورفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين على المعول في عزم وقوة , وهوى به على الصخرة , فإذا بها تنثـلم , ويخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجاً عالياً مضيئاً .

يقول " سلمان " لقد رأيته _ أي الوهج _ يضيء ما بين لابتيها , أي يضيء جوانب المدينة .. وهتف الرسول صلى الله عليه وسلم مكبراً : " الله أكبر . . . أعطيت مفاتيح فارس ولقد أضاء منها قصور الحيرة ومدائن كسرى , وإن أمتي ظاهرة عليها " . . .

ثم رفع المعول , وهوت ضربته الثانية , فتكررت الظاهرة , وبرقت الصخرة المتصدعة بوهج مضيء مرتفع , وهلل الرسول عليه السلام مكبراً : " الله أكبر . . . أعطيت مفاتيح الروم ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء , وأن أمتي ظاهرة عليها " . . .

ثم ضرب ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها واستلامها , وأضاء برقها الشديد الباهر وهلل الرسول وهلل المسلمون معه . . . وأنبأهم أنه يبصر الآن قصور سورية وصنعاء سواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوماً , وصاح المسلمون في إيمان عظيم : هذا ما وعدنا الله ورسوله . . . وصدق الله ورسوله " . . ! !

كان " سلمان " صاحب المشورة بحفر الخندق . . وكان صاحب الصخرة التي تفجرت منها بعض أسرار الغيب والمصير , حين استعان عليها برسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان قائماً إلى جوار الرسول يرى الضوء , ويسمع البشرى . . . ولقد عاش حتى رأى البشري حقيقة يعيشها , وواقعاً يحياه , فرأى مدائن الفرس والروم .

رأى قصور صنعاء وسوريا ومصر والعراق . . رأى جنبات الأرض كلها تهتز بالدوي المبارك الذي ينطلق من رُبى المآذن العالية في كل مكان مشعاً أنوار الهدى والخير . . !! .

وها هو ذا , جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أمام داره " بالمدائن " يحدث جلساءه عن مغامرته العظمى في سبيل الحقيقة , ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس إلى المسيحية , ثم إلى الإسلام . . .

كيف غادر ثراء أبيه الباذخ ورمى نفسه في أحضان الفاقة , بحثاً عن خلاص عقل وروحه . . ! !

الرسول كيف بيع في سوق الرقيق ، وهو في طريق بحثه عن الحقيقة . . ؟ ؟ كيف التقى السلام . . وكيف آمن به . . ؟ تعالوا نقترب من مجلسه الجليل , ونصغ إلى النبأ الباهر الذي يرويه . . .

كنت رجلاً في أهل أصبهان , من قرية يقال لها " جي " . . وكان أبي دهقان أرضه . وكنت من أحب عباد الله إليه . . . ولقد اجتهدت في المجوسية , حتى كنت قاطن النار التي نوقدها , ولا نتركها تخبو. .

وكان لأبي ضيعة , أرسلني إليها يوماً , فخرجت , فممرت بكنيسة للنصارى , فسمعتهم يصلون , فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون , فأعجبني ما رأيت من صلاتهم , وقلت لنفسي هذا خير من ديننا الذي نحن عليه , فما برحتهم حتى غابت الشمس , ولا ذهبت إلى صيغة أبي , ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري

وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم وصلاتهم عن أصل دينهم , فقالوا : في الشام . . " وقلت لأبي حين عدت إليه : إنى مررت على قوم يصلون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم , ورأيت أن دينهم خير من ديننا . . . فحاورني وحاورته . . . ثم جعل في رجلي حديداً وحبسني . . .

وأرسلت إلى النصارى أخبرهم إني دخلت في دينهم , وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام , أن يجبروني قبل عودتي إليها لأرحل إلى الشام معهم , وقد فعلوا , فحطمت الحديد وخرجت , وانطلقت معهم إلى الشام . .

هناك سألت عن عالمهم , فقيل لي : هو الأسقف , صاحب الكنيسة , فأتيته وأخبرته خبري , فأقمت معه أخدم , وأصلي , وأتعلم . .

وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه , إذ كان يجمع الصدقات من الناس ليوزعها , ثم يكتنزها لنفسه . . . ثم مات . .

وجاؤوا بآخر فجعلوه مكانه , فما رأيت رجلاً على دينهم خيراً منه , ولا أعظم رغبة في الآخرة , وزهداً في الدنيا ودأباً على العبادة . . . وأحببته حباً ما علمت أنني أحببت أحداً مثله قبله . . فلما حضره قدره , قلت له : إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى , فبم تأمرني , وإلى من توصي بي ؟ ؟

قال : أي بني , ما أعرف أحداً من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلاً بالموصل . .

فلما توفي , أتيت صاحب الموصل , فأخبرته الخبر وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم , ثم حضرته الوفاة , فسألته , فدلني على عابد في نصيبين . .

فأتيته وأخبرته خبري , ثم أقمت معه ما شاء الله أن أقيم , فلما حضرته الوفاة سألته , فأمرني أن الحق برجل في عمورية من بلاد الروم , فرحلت إليه , وأقمت معه . . واصطنعت لمعاشي بقرات وغنيمات . . ثم حضرته الوفاة , فقلت له : إلى من توصي بي ؟ فقال لي : يا بني ما أعرف أحداً على مثل ما كنا عليه , آمرك أن تأتيه , ولكنه قد أظلك ذمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً . . . يهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين ,فإن استطعت ان تخلص إليه فافعل .

وإن له آيات لا تخفى , فهو لا يأكل الصدقة . . ويقبل الهدية . . وإن بين كتفيه خاتم النبوة , إذا رأيته عرفته .

ومر بي ركب _ ذات يوم _ فسألتهم عن بلادهم , فعلمت أنهم من جزيرة العرب , فقلت لهم أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم ؟ . . قالوا : نعم . .

واصطحبوني معهم حتى قدموا بي _ وادي القرى _ وهناك ظلموني , وباعوني إلى رجل من يهود . . . وبصرت بنخل كثير , فطمعت أن تكون هي البلدة التي وُصفت لي , والتي ستكون مهاجر النبي المنتظر . . ولكنها لم تكُنها .

وأقمت عند الرجل الذي اشتراني , حتى قدم يوماً عليه رجل من يهود بن قريظة , فابتاعني منه ثم خرج بي حتى قدمت المدينة ! ! فو الله ما هو إلا أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وُصفت لي . . . وأقمت معه أعمل له في نخلة في بني قريظة حتى بعث الله رسوله وحتى قدم " المدينة " ونزل في بني عمرو بن عوف .

وإني لفي رأس نخلة يوماً , وصاحبني جالس تحتها إذا أقبل رجل من يهود , من بني عمه , فقال يخاطبه : قاتل الله بني قيلة إنهم ليتقاصفون على رجل بقباء , قادم من مكة يزعمون أنه نبي . . .

فو الله ما هو إلا أن قالها حتى أخذتني العُرواء , فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي ! ! ثم نزلت سريعاً : أقول : ماذا تقول . . ؟ ما الخبر . . ؟ ؟ ما الخبر . . ؟ ؟ فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة ثم قال : ما لك ولهذا . . ؟ أقبل على عملك . .

فأقبلت على عملي ولما أمسيت جمعت ما كان عني ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء . .. فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه , فقلت له : إنكم أهل حاجة وغربة , ولقد كان عندي طعام نذرته للصدقة , فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به . . .

ثم وضعته ، فقال الرسول لأصحابه : كلوا باسم الله . وأمسك هو فلم يبسط إليه يداً . . . فقلت في نفسي : هذه والله , واحدة . . . إنه لا يأكل الصدقة . . ! ! .

ثم رجعت وعدت إلى الرسول عليه السلام في الغداة , أحمل طعاماً , وقلت له عليه السلام : إني رأيتك لا تأكل الصدقة . . وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية , ووضعته بين يديه , فقال لأصحابه : كلوا بسم الله . . . وأكل معهم . . . قلت لنفسي : هذه والله , الثانية . . . إنه يأكل الهدية  !

ثم رجعت فمكثت ما شاء الله , ثم أتيته , فوجدته في البقيع قد تبع جنازة , وحوله أصحابه وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة , مرتدياً الأخرى , فسلمت عليه , ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره , فعرف أني أريد ذلك , فألقى بردته عن كاهله , فإذا العلامة بين كتفيه . . خاتم النبوة , كما وصفه لي صاحبي . .

فأكببت عليه أقبله وأبكي . . ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه , وحدثته حديثي كما أحدثكم الآن . . ثم استلمت . . وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد . . وفي ذات يوم قال الرسول عليه السلام : " كاتب سيدك حتى يعتقك " , فكاتبته , وأمر الرسول الصحابة كي يعاونوني . وحرر الله رقبتي , وعشت حراً مسلماً , وشهدت مع رسول الله غزوة الخندق , والمشاهد كلها . .

بهذا الكلمات الوضاء العذاب . . تحدث " سلمان الفارسي " عن مغامرته الزكية النبيلة العظيمة في سبيل بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بالله , وترسم له دوره في الحياة . . .

فأي إنسان شامخ كان هذا الإنسان . . . ؟ أي تفوق عظيم أحرزته روحه الطلعة , وفرضته إرادته الغلابة على المصاعب فقهرتها , وعلى المستحيل فجعلته ذلولاً . . ؟

أي تبتل للحقيقة . .؟ وأي ولاء لها هذا الذي أخرج صاحبه طائعاً مختاراً من ضياع أبيه وثرائه ونعمائه إلى المجهول بكل أعبائه , ومشاقه , ينتقل من أرض إلى أرض . . ومن بلد إلى بلد . . ناصباً , كادحاً عابداً . . تفحص بصيرته الناقدة الناس , والمذاهب , والحياة . . . ويظل في إصراره العظيم وراء الحق وتضحياته النبيلة من أجل الهدى حتى يباع رقيقاً . . . ثم يثيبه الله ثوابه الأوفى , فيجمعه بالحق , ويلاقيه برسوله ثم يعطيه طول العمر ما يشهد معه بكلتا عينيه رايات الله تخفق في كل مكان من الأرض , وعباده المسلمون يملؤون أركانها وأنحاءها هدى , وعمراناً , وعدلاً . . . ؟ ! !

ماذا نتوقع إسلام رجل هذه همته , وهذا صدقه ؟ لقد كان إسلام الأبرار المتقين . . . وقد كان في زهده , وفطنته , وروعه أشبه الناس بعمر بن الخطاب .

أقام أياماً مع أبي الدرداء في دار واحدة . . وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقوم الليل ويصوم النهار . . وكان " سلمان " يأخذ عليه مبالغته في العبادة على هذا النحو .

وذات يوم حاول " سلمان " أن يثني عزمه عن الصوم , وكان نافلة . . . فقال له " أبو الدرداء " معاتباً : " أتمنعني أن أصوم لربي , وأصلي له " . . . ؟ ‍ فأجابه سلمان قائلاً : " إن لعينيك عليك حقاً , وإن لأهلك عليك حقاً _ صم وأفطر . . وصل ونم " . . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال , : " لقد أشبع سلمان علماً . . . " .

وكان الرسول عليه السلام يطري فطنته وعلمه كثيراً , كما كان يطري خلقه ودينه . .

ويوم الخندق وقف الأنصار يقولون : سلمان منا . . ووقف المهاجرون يقولون : بل سلمان منا . . . وناداهم الرسول قائلاً : " سلمان منا آل البيت " . . ‍ ‍

وإنه لهذا الشرف لجدير . . . وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يلقبه ب " لقمان الحكيم " سئل عنه بعد موته فقال : " ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت . . . من لكم بمثل لقمان الحكيم . . ؟ أوتى العلم الأول , والعلم الآخر وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر , وكان بحراً لا ينزف " .

ولقد يبلغ في نفوس أصحاب الرسول عليه السلام جميعاً المنزلة الرفيعة والمكان الأسمى

ففي خلافة " عمر " جاء المدينة زائراًَ , فصنع " عمر " ما لا نعرف أنه صنعه مع أحد غيره أبداً , إذ جمع أصحابه وقال لهم : " هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان . . " ‍ ‍ وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة . لقد عاش سلمان مع الرسول منذ التقى به وآمن معه مسلماً حراً , ومجاهداً وعابداً . وعاش مع خليفة " أبي بكر " ثم أمير المؤمنين " عمر " ثم الخليفة " عثمان " حيث لقي ربه أثناء خلافته .

وفي معظم هذه السنوات , كانت رايات الإسلام تملأ الأفق , وكانت الكنوز والأموال تحمل إلى  المدينة  فيئاً وجزية , فتوزع على الناس في صورة أعطيات منتظمة , ومرتبات ثابتة .

وكثرت مسؤوليات الحكم على كافة مستوياتها , فكثرت الأعمال والمناصب تبعاً لها . .

فأين كان " سلمان " في هذا الخضم . . ؟ وأين نجده في أيام الرخاء والثراء والنعمة تلك . . ؟ افتحوا أبصاركم جيداً . . . أترون هذا الشيخ المهيب الجالس هناك في الظل يضفر الخوص ويجدله ويصنع منه أوعية ومكاتل . . ؟

إنه " سلمان " انظروه جيداً . . . انظروه جيداً في ثوبه القصير الذي انحسر من قصره الشديد إلى ركبتيه . . إنه هو , في جلال مشيبة , وبساطة إهابه . لقد كان عطاؤه وفيراً . . . كان بين أربعة آلاف وستة آلاف في العام _ بيد أنه كان يوزعه جميعاً , ويرفض أن يناله منه واحد , ويقول : " أشترى خوصاً بدرهم , فأعمله ثم أبيعه , بثلاث دراهم , فأعيد درهماً فيه , وأنفق درهماً على عيالي , وأتصدق بالثالث . . ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت " ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ !

ثم ماذا يا أتباع محمد . . ؟ ؟ ثم ماذا يا شرف الإنسانية في كل عصورها ومواطنها . . ؟ ؟

لقد كان بعضنا يظن حين يسمع عن تقشف بعض الصحابة وورعهم , مثل أبي بكر وعمر وأبي ذر وإخوانهم , أن مرجع ذلك طبيعة الحياة في الجزيرة العربية ، حيث يجد العربي متاع نفسه في البساطة . .

فها نحن أولاء أمام رجل من فارس . . بلاد البذخ والترف والمدنية , ولم يكن من فقراء الناس بل من صفوتهم . . ما باله اليوم يرفض المال والثروة والنعم , ويصر على أن يكتفي في يومه بدرهم يكسبه من عمل يده . . ؟

ما باله يرفض الإمارة ويهرب منها ويقول : " إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميراً على اثنين , فافعل . . " .

ما باله يهرب من الإمارة والمنصب , وإلا أن تكون إمارة على سرية ذاهبة إلى الجهاد . . وإلا أن تكون في ظروف لا يصلح لها سواه , فيكره عليها إكراهاً , ويمضي إليها باكياًَ وجلاً . . ؟

ثم ما باله حين يلي هذه الإمارة المفروضة عليه فرضاً يأبى أن يأخذ عطاءها الحلال . . ؟ ؟

روى هشام بن حسان عن حسن عن الحسن : " كان عطاء سلمان خمسة آلاف , وكان على ثلاثين ألفاً من الناس يخطب في عباءة يفترش نصفها , ويلبس نصفها . . " وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه , ويأكل من عمل يديه . . . " .

ما باله يصنع كل هذا الصنيع , ويزهد كل ذلك الزهد , وهو الفارسي , ابن النعمة , وربيب الحضارة . . ؟

لنستمع الجواب منه , وهو على فراش موته , تتهيأ روحه العظيمة للقاء ربها العلي الرحيم . دخل عليه " سعد بن أبي وقاص " يعوده , فبكى سلمان . . .

قال له سعد : ما يبكيك يا أبا عبد الله . . ؟ لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض .

فأجابه سلمان : والله أبكي جزعاً من الموت , ولا حرصاً على الدنيا , ولكن رسول الله صلى ابلله عليه وسلم عهد إلينا عهداً , فقال : " ليكن حظ أحدكم في الدنيا مثل زاد الراكب " وها أنذا حولي هذه الأساود ! ! يعني بالأساود الأشياء الكثيرة !

قال سعد : فنظرت , فلم أر حوله إلا جفنه ومطهرة , فقلت له : يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك , فقال : " يا سعد : اذكر الله عند همك إذا هممت . . وعند حكمك إذا حكمت . . وعند يدك إذا قسمت . . "

هذا إذن هو الذي ملأ نفسه غنى , بقدر ما ملأها عزوفاً عن بأموالها , ومناصبها , وجهادها . . عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وإلى أصحابه جميعاً : ألا يدعوا الدنيا تتملكهم , وألا يأخذ أحدهم منها إلا مثل زاد الراكب . .

ولقد حفظ " سلمان " العهد , ومع هذا هطلت دموعه حين رأى روحه تتهيأ للرحيل , مخالفة أن يكون قد جاوز المدى .

ليس حوله إلا جفنه يأكل فيها , ومطهرة يشرب منها ويتوضأ . . ومع هذا يحسب نفسه مترفاً . .

ألم أقل لكم إنه أشبه الناس بعمر . . ؟

وفي الأيام التي كان فيها أميراً على المدائن , لم يتغير من حالة شيء , فقد رفض _ كما رأينا _ أن يناله من مكافأة الإمارة درهم . . . . وظل يأكل من عمل الخوص . . ولباسه ليس إلا عباءة تنافس ثوبه القديم في تواضعها . .

وذات يوم , وهو سائر في الطريق لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل تين , وتمر . .

كان الحمل يؤود الشامي ويتبعه , فلم يكد يبصر أمامه يبدو عليه أنه من عاملة الناس وفقرائها , حتى بدا له أن له يضع الحمل على كاهله , حتى إذا أبلغه وجهته أعطاه شيئاً نظير حمله . . وأشار للرجل فأقبل عليه , وقال له الشامي : احمل عني هذا . . فحمله ومضيا معاً

وإذا هما في الطريق بلغا جماعة من الناس فسلم عليهم , فأجابوا واقين . وعلى الأمير السلام . . .

وعلى الأمير السلام . . ؟؟ أي أمير يعنون . . ؟ ! ! هكذا سأل الشامي نفسه . . .

ولقد زادت دهشته حين رأى يبعض هؤلاء يسارع صوب " سلمان " ليحمل عنه قائلين ك _ عنك أيها الأمير . . ! !

فعلم الشامي أنه أمير المدائن " سلمان الفارسي " , فسقط في يديه , وهربت كلمات الاعتذار والأسف من بين شفتيه و واقترب ينتزع الحمل و ولكن " سلمان " هز رأسه راضاً وهو يقول : " لا من بين شفتيه , واقترب ينتزع الحمل , ولكن " سلمان " هز رأسه رافضاً وهو يقول : " لا , حتى أبلفك منزلك " ! سئل يوماً ك ما الذي يبض الإمارة إلى نسك . . ؟ فأجاب : " حلاوة رضاعها ومرارة فطامها " . . .

ويدخل عليه صاحبه يوماً بيته , فإذا هو يعجن , فيسأله :

_ أين الخادم . . ؟ يجيبه قائلاً : " لقد بعثنا في حاجة , فكرهنا أن نجمع عليها عملين . . " .

وحين نقول " بيته " فلنذكر تماماً , ماذا كان ذلك البيت . . . ؟ فحين هم " سلمان " ببناء هذا الذي يسمى مع التجوز بيتاً , سأل البناء : كيف سنبنيه . . ؟؟

وكان البناء حصيفاً ذكياً , يعرف زهد " سلمان " وورعه . . . . فأجابه قائلاً ك " لا تخف . . . إنها بناية تستظل بها من الحر و وتسكن فيها من البرد و إذا وقفت فيهلا أصابت رأسك , وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك " . . ‍! !

قال له سلمان " نعم و هكذا فاصنع " ‍ ! !

لم يكن هناك من طيبات الحياة الدنيا شيء ما يركن إليه " سلمان " لحظة , أو تتعلق به نفسه إثارة , إلا شيئاً كان يحرص عليه أبلغ الحرص و ولقد ائتمن عليه زوجته , وطلب إليه أن تخفيه في مكان بعيد وأمين .

وفي مرض موته , وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه , ناداها : " هلمي خبيك التي استخبأتك " . . ! !

فجاءت بها , وذا هي صرة مسك , كان قد أصابها يوم الفتح " جلولاء " احتفظ بها لتكون عطره يوم مماته

ثم دعا بقدح ما نثر المسك فيه , ثم ماثه بيه , وقال لزوجته : " انضحيه حولي . . . فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله , لا يأكلون الطعام , وإنما يحبون الطيب " . . . . فلما فعلت قال لها : " اجفئى على الباب وانزلي " . . . . ففعلت ما أمرها به . . . .

وبعد حين صدعت إليه , فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده ودينه .

لقد لحقت بالملأ الأعلى , وصدعت على أجنحة الشوق ليه , وإذ كانت على موعد هناك مع الرسول محمد , وصاحبيه أبي بكر وعمر . . ومع ثلة مجيدة من الشهداء والأبرار .

لطالما برح الشرق الظامىء بسلمان . .

وآن له اليوم أن يرتوي , وينهل . .