مشكلات الشباب

المقدمة :

بينما أنا جالس أتـفيأ ظلال الراحة و أتذوق سكينة الهدوء ، إذا بشاب حدث يقتحم علي َّ غرفتي دون موعد أو استئذان ، قد هتك الأستار ، وغافل السكان ، وأخل بالآداب .

فباغته بالسؤال : من أنت يا مقتحم الخلوات ، ومنتهك الحرمات ، من أنت يا باتر الراحات ، من أنت يا منغص المسرَّات ؟!

قال : لا تسئ بي الظنون ، فما أنا من الذين ينبغي عليهم الاستئذان ، إنما أنا أوائل شبابك الذي  قد مرت عليه الأيام ، وأثقلت كاهله مخلّفات الأعوام ؛ وبدأت أمحّص فيه النظرات تلو النظرات ، و أخبر منه الحركات و السكنات إلى أن رأيتني أنا نفسه ذلك الشاب لمّا كنت لين العود ، طري السن لم يتعد عمري السابعة عشرة .

ولكن مالي و لماض أكل الزمن عليه و شرب ، مالي ولماض قد غادرني منذ ثمان سنوات ؟!

 غير أن الفتى ما زال يراودني عن نفسي ، حتى بسطت له يدي مصافحا ً ، فقال : هلم بنا .

قلت : إلى أين ؟ ويحك ، أتريد مني اللعب و أنا أبو العيال ؟ أم تريد مني العودة إلى مقاعد الدراسة المصاحبة للمرح و اللهو و العبث ؟ دعني فلن أبرح هذا المكان .

وبدأت تصلني منه نظرات الريبة و الامتهان ، ليقول : مالي أراك تنكرت لفتوة صحبتك سنين ، وتناسين آمالنا و آلامنا ، تناسيت لعبنا ولهونا ، تناسيت بكائنا وضحكنا ؟
أجبته : رحم الله تلك الخوالي من الأيام ، ولكن دعني فأنا عنها في شغل .
فسألني ذلك الشاب الحدث - بعد أن طأطأ رأسه وشحب لونه وبدت معاني الخيبة واضحة بين عينيه و الأسى ظاهرا ً عليه - : نبئت أنك عاكف على التأليف ،  وكان نتاج ذلك
  (نصح القلم لزائر بلاد الحرم )
و ( أعيدي محبة زوجك لك )
و (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء )

فقاطعته : وما المزعج في ذلك ؟
قال : المزعج أنك أغفلت همومي وشجوني ، دثرت آلامي و آمالي ، نسيت المخاطر التي طوقتني ، و الأيادي السوداء التي توعدتني .
قلت : و كيف ذاك ؟ فإذا به يجذبني تلك الجذبة الفتية المعهودة فيه ، ليعيدني القهقرى إلى الوراء ، و أنا أستغيث ويلك دعني إلى أين أنت آخذي ؟ فقال : إلى ماضيك الذي تنكرت له وكلما سار بي خطوة شعرت أني فقدت من أيام حياتي عظة و عبرة ، إلى أن أدخلني بيتي القديم ، فتحسسته هناك فما ألفيت له أثرا ً، فتشت عنه في كل غرفة دون طائل ، إلى أن وقع وجهي على المرآة لأرى نفسي ذلك الشاب و قد فقدت لحيتي ، وطار من وجهي شاربي ، و عاودتني أحاسيس الفتوة الممزوجة ببواكير الشباب ، وزارتني تلك الخواطر و الشجون ، وبدأت أصيح و أندب : مالي و للخوالي من الأيام ؟ لكن عبثا ً رمت .

وسرعان ما تقبلت ذلك المصاب .

يوم من معاناة شاب

حان وقت الذهاب إلى المدرسة ، و ما إن فتحت باب بيتنا حتى وجدت قبالة وجهي إمرأة ، قد خاصمت حياءها فهي كاشفة الساق ، بادية النحر ، مظهرة الصدر ، فقلت في نفسي : هذه أول المصائب . و أنتم خبراء ما لهذا المشهد من أثر في نفس شاب تتأجج الشهوة بين ضلوعه ، ثم تابعت مسيري لأرى الفاتنات الخليعات حولي يمنة ً و يسرة  ً إلى أن صعدت الحافلة ،  فكانت النساء فيها ممن لبسن جلباب الحياء ، فما و صلني منهن فتنة ٌ و لا إغراء ، وباتت نيران الشهوة التي أشعلتها في َّ فتنة الطريق تنطفئ شيئا ً فشيئا  ً ، لولا أن السائق قد أشعل المذياع على صوت ........ وبدأت الأغاني تصب في أذني حممها ، لتؤجج ما أخفِـت لتوه من لهيب الشهوة ، ونزلت من الحافلة لأبصر طالبة قد شبكت يدها بيد شاب تحسبه فارس أحلامها ، تبادله كلمات العشق والهيام ، فزداد بهذا المشهد همي و بت حائرا ً ماذا عساي أصنع أمام هذه المغريات .
و أخيرا ً بلغت باب المدرسة و حسبتها الملجأ الذي يحتمى به ، و منارة العلم التي يركن إليها ، جلست على مقعد الدراسة ليخرج أحد الطلاب صورة فتاة تذكرت أن تصلح وجهها ، و أن تمشط شعرها و أن تضع زينتها ، غير أنها تناست أن تلبس ثيابها .
عملت هذه الصورة بالطلاب عملها ، و خربت منهم العقول و أفسدت عليهم الأخلاق ، و دخل المدرس مفتتحا ً درسه متحدثا ً عن الحرية ، و ضرورة مخلطة الشباب للفتيات في هذا الزمن المتمدن ، ثم بدأ الشروع في الدرس المقرر الذي لم نع ِ منه سوى براعة الاستهلال ، التي تحدثت عن مزايا الاختلاط  ، خرج المدرس لتدخل علينا مدرسة الفنون ، التي أهلكتنا من فنون جسدها و من إبداء مفاتنها .
هكذا مضى نصف النهار و ها أنذا أغادر منارة العلم آفلا ً إلى بيتي ، و مررت على المركز التجاري لأشتري بعض المنظفات و العطور التي قد فاح على غلافها رائحة العري و الفجور ،  فقد رسم عليها صور لفتيات لو كن في غرف النوم ، لغدون أكثر احتشاما ً مما هن عليه بالصورة ، و أخيرا ً عدت إلى البيت و قلت في نفسي آن لك الرواح من تلك المثيرات ، إلى أن التلفاز قد خيب حدسي ، حيث إن العاملات فيه من النساء قد ضاق معاشهن عن شراء ثياب تستر الركب والأفخاذ ، و جاء الليل ليزف إلي غاشية السهاد ، و لكن أنى يطيب لهذا الشاب منام و قد أترع من كؤوس الشهوات ، و أُسكر بمناظر الفجور ، و كلما حاولت أن أصرف عن مخيلتي مشهدا ً من تلك المشاهد ، عاودني أخر أفظع من سابقه ،  و بت تلك الليلة أتقلب على أحر من اللظى دون أن يشعر أحد بمصابي أو يعلم أحد ببلائي .
هاج القلب مني و ماج لأشعر بالاضطراب ، بل قولوا بالاختناق .
كيف بي اُزج في ماض قد أكرمني الله بالترحل عنه ؟ و كيف بي اُعايش خواطر و أشجان و آلاما ً و مخاوف قد وفقني الله بالتحرر منها ؟ لأصرخ يا أيها الفتى : الرحمة عد بي من حيث أخذتني ، عد بي إلى بيتي إلى عملي إلى زوجتي و أولادي ، إذا به يتراءى أمامي ليسألني ، هل أدركت مقدار ظلمك لي و تنصلك لودادي و تجاهلك لمصابي ؟ فهززت رأسي وقد خنقتني العبرة و أدركتني الفكرة ، و قلت له : و الله إني كنت لك من الظالمين ، عد بي يا فتى و دع عنك هذا الشقا و لك عندي ما تريد . يتبع  

كتبه هاني الحلبي