مشكلات الشباب

الشَّابُ: وهل للنَّظرَةِ مِنْ باطنٍ مسمومٍ هوَ مِنَ الخطرِ بمكانٍ؟

ـ : ألمْ تستمِعْ إلى قولِ نبيِّكَ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((النَّظرُ سهمٌ مسمومٌ مِنْ سهام إبليس مَنْ تركها مِنْ مخافتي أبدَلْتُهُ إيمانا يجدُ حلاوتَهُ في قلبِهِ)) ، ولو لمْ يكُنْ للنَّظرِ مِنْ آفاتٍ سوى لوعةِ الحسرةِ، التي يلتاعُ بها قلبٌ قد رأى الحسناءَ التي لا يعرِفُ بيتَها، ولا أهلَها قد أقلقتْ نومَهُ، وأغلقتْ فهمَهُ، وأزعجتْ فِكْرَهُ، وهيَ على ذلكَ قد أفلتَتْ مِنْ يدهِ، وغابتْ عنْ بصرِهِ لتنقطِعَ متعةُ تلكَ النَّظرةِ، وتستحيلَ إلى ألمٍ وهمٍّ وحسرةٍ، بل لتنقلِبَ إلى سهمٍ مسمومٍ يصيبُ سويداءَ قلبِهِ، فيمزقُهُ أشلاءَ.

الشّابُ: ولكنْ ربما استطاعَ النّاظِرُ أنْ يتبعَها ويتعرَّفَ إليها، ومِنْ ثَمَّ يطلِبُ يدها مِنْ أبيها؟

ـ : وكيفَ يطلبُها ونحنْ نتحدَّثُ عنِ الَّذينَ حيلَ بينهمْ وبينَ الزّواجِِ بأبواب شتى، ولكن لكَ أنْ تقولَ ـ ولو قلتَ لصدقتَ ـ: يستطيعُ أنْ يحتالَ عليها ويتزلفَ لها ليخدَعَها، ويأخذَ مِنها ما يطفِئُ بهِ ألمْ هذهِ الحسرةِ النَّاتِجَةِ عن تلكَ النَّظرَةِ، غيرَ أنَّهُ يكونُ كالَّذي حاولَ إطفاءَ النَّارِ بالبارودِ.

الشّابُ: وبهذا يكونُ قد تحققَ أنَّ النَّظرَ بريدُ الزِِّنا. لقدْ ذكرتني ببيتٍ مِنَ الشِّعرِ قد حفظتُهُ مِنذُ الصِّغرِ:

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ

ولكِنْ هلا شرحتَ لي معنى اللقاءِ المقصودِ، إذ إني لم أفهم مرادَ الشَّاعرِ بهذا اللقاءِ؟

هُنا تبسمتُ ابتسامَةَ المغضَبِ، وقُلتُ لهُ: ويحكَ أفُتِحَ عليكَ بابُ الفهمِ في كلِّ كلمةٍ مضتْ دونَ أنْ تراجعني بها، وأُغلِقَ عنكَ عندَ كلِمَةِ اللقاءِ، وإني لأظُنُّكَ تعلَمُ مرادَ الشَّاعرِ بهذهِ الكلِمَةِ أكثرَ مِنَ الشّاعرِ نفسِهِ، فاضرُبِ الصَّفحَ عن هذا السّؤالِ، على أنّي أذكرُ بيتاً لشاعرٍ آخرَ يقولُ فيهِ:

كلُ الحوادثِ مبداها مِنَ النَّظرِ

ومعظَمُ النَّارِ مِنْ مستَصغَرِ الشَّرَرِ

بقيَ أنْ تعلمَ أنَّ الَّذي قدْ أمرنا بغضِّ البصرِ هو الخالقُ سبحانَهُ وتعالى القائلُ:( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) [النور: 30]، وقدْ قالَ صلى الله عليه وسلم ((يا عليُّ لا تتبعِ النَّظرةَ النَّظرةَ فإنّما لكَ الأولى وليستْ لكَ الآخرةَ)) .

الشّابُ وهلْ خلَقَ اللهُ الصَّحابةَ الكرامَ رجالاً لا شهوةَ بِهمْ، حتى استطاعوا غضَّ أبصارِهِمْ عنِ الحرامِ ؟

ـ : لا بل إنَّما هُمْ بشرٌ مثلُنا، وهذا الفضلُ رضي الله عنه لمَّا ((كانَ رديفَ رسولِ اللهِ، فَجَاءَتْ امرأةٌ مِنْ خثعم، فجَعَلَ الفضلُ ينظُرُ إليها وتنظُرُ إليهِ، وجعلَ النَّبيُّ يصرِفُ وجهَ الفضلِ إلى الشِّقِ الآخرِ)) .

الشّابُ وكيفَ بِهِ صلى الله عليه وسلم لم يُعَنِّفِ الفضلَ، ولم يوبِّخْهُ بلْ كلُّ ما هنالِكَ ، أنَّهُ صلى الله عليه وسلم أدارَ وجهَهُ عن تلِكَ الحسناءِ بلُطْفٍ ولينٍ !!!

قلتُ : لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ فظاً، ولا غليظَ القلبِ، ولو كانَ كذلكَ لانفضَّ الشَّبابُ مِنْ حولِهِ، ولَمَا لبوا لهُ أمراً ولَمَا اجتنبوا لهُ نهياً، قالَ تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ۚ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [آل عمران: 159].

الشّابُ : ما أجملَ أنْ يتخلَّقَ كلُّ مُرَبٍّ بهذِهِ الأخلاقِ، وإنّي لعلى يقينٍ لو أنَّني كنْتُ مكانَ الفضلِ، لذُبْتُ حياءً ولَمَا عاودتُ تلكَ العادةَ الذميمةَ.

ثُمَّ تابعَ الشّابُ: هلْ مِنْ وسيلَةٍ تعينني على غضِّ البصرِ، وبالتالي على التسامي بالغريزَةِ؟

ـ: نعَمْ إنَّ نبيَّكَ الرَّحيمَ لم يسعْهُ نُصحٌ لأُمَّتِهِ إلاَّ وأتى بِهِ مِنْ أقصَّرِ طُرُقِهِ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((يا معشَرَ الشّبابِ: مَنِ استطاعَ منْكُمُ الباءةَ، فليتزوجْ فإنَّهُ أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرْجِ، ومَنْ لم يستطِعْ فعليهِ بالصَّومِ، فإنّهُ لهُ وجاءٌ)) ، فإنَّ الصَّومَ وقايةٌ للشَّبابِ مِنْ ثورانِ الغريزةِ، ومعونةٌ لهُمْ على غضِّ البصرِ، إذ بالصَّومِ تقوى المراقبةُ للهِ تعالى، وتَضْعُفُ حِدَةُ الشَّهوةِ، التي تأبى إلاَّ أنْ تأخُذَ بالطَّرفِ على مراتِعِ الرَّذيلَةِ.

الشّابُ: سبحانَ اللهِ حقاً إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طبيبُ الأجسادِ والقلوبِ والأرواحِ، فإنِّي في أثناءِ صيامي لرمضانَ، كنتُ أشعرُ أنَّ الشَّهوةَ قدْ سكنَتْ في نفسي دونَ حراكٍ، وكنتُ أغدوا في ذلكَ الشَّهرِ الكريمِ، قادراً على غضِّ البصرِ دونَ ضيقٍ أو حرجٍ.

ثُمَّ تابعتُ الحديثَ: ومِنَ المناهِجِ التي رسمها القُرآنُ للتسامي بالغريزةِ إلى حَدِ الاعتدالِ، الابتعادُ عنِ المثِيراتِ الجِنسيةِ، مِنَ الألفاظِ البذيئةِ والنَّظَرِ إلى القنواتِ الفضائيِّةِ الإباحيِّةِ، والاستِماعِ إلى الأغاني الماجِنَةِ، وقراءةِ القِصَصِ التي تجعَلُ مِنَ العِفَّةِ والفضيلَةِ ضرباً مِنَ الخيالِ، لأنَّ مَثَلَ هذِهِ الأشيّاءِ، كالرَّاعي يرعى قريباً مِنْ أرضِ الملكِ، التي يمُنَعُ الاقترابُ مِنْها، توشكُ أغنامُهُ أنْ ترتَكِبَ المحظورَ وتتسلَلَ إلى داخِلِ تلكَ الأرضِ، دونَ أنْ يملِكَ لها الراعي صداً أو منعاً، فيغضبُ الملكُ لا مِنَ الأغنامِ بلْ مِنَ الراعي الذي حامَ بها قريباً مِنْ أرضِهِ، ولم يبتعِدْ عنها على اتساعِ الأراضي، ووفرتِها فهذا مَثَلُ الشَّابِ الذي يحومُ حولَ دواعي الزِّنا، يُوشِكُ أنْ يرتعَ فيهِ. عن أبي عبدِ اللهِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضي الله عنه قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ: ((إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ، بينهُما مشتبهاتٌ لا يعلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ النّاسِ، فمَنْ اتقى الشُبُهاتِ فقَدْ استبرأَ لدينِهِ وعرضِهِ، ومَنْ وقعَ في الشُبُهاتِ وقعَ في الحرامِ ، كالرّاعي يرعى حولَ الحِمى يوشِكُ أنْ يرتعَ فيهِ، أَلا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمى، أَلا وإنَّ حِمى اللهِ محارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغَةٌ إذا صلحتْ صلَحَ الجسَدُ كُلُهُ، وإذا فسدَتْ فسَدَ الجسَدُ كلُهُ ألا وهيَ القلبُ)) .

الشّابُ: وما الوسيلةُ التي استخدَمَها القُرآنُ للابتعادِ عنْ هذهْ المثيراتِ؟

قلتُ: إنَّ القُرآنَ هو الكتابُ الوحيدُ، الذي استطاعَ أنْ يُعبِّرَ عنْ أدقِ المسائلِ الجنسيةِ القائمةِ بينَ الزَّوجينِ، بألفاظٍ تكسُوها حُلَةٌ مِنَ الوقارِ، ولعَلي قبلَ أنْ أذكُرَ لكَ هذا الأسلوبَ المتفرِدَ بالرِّفعَةِ والأدَبِ، أقومُ بمقارَنَةٍ بينَ أسلوبِ القُرآنِ في تحدُثِهِ عنِ الجِنْسِ، وبينَ أسلوبِ الكُتُبِ الأخرى إذا ما تحدَّثَتْ عنِ الموضوعِ نفسِهِ، فهذِهِ زانيةٌ تقولُ في سفرِ الأمثالِ ـ المفترضِ أنَّهُ كتابُ اليهودِ المقدَسِ: ((عَطَرتُ فراشي بمسكٍ وعودٍ وعنبرٍ بالدِّيباجٍ، فرشتُ سريري بكتانٍ مغزولٍ في مصرَ، هلمَّ إني عطْشى إليكَ، تعالى نرتوي باللذَّةِ إنَّ رَجُلي ليسَ بالبيتِ ذهبَ في طريقٍ بعيدةٍ، ولنْ يعودَ إلاَّ أولَ الهلالِ...) هُنا بدأتْ تدورُ أعينُ الشّابِ، ويصفَرُّ لونُهُ حياءً مِنْ هذا الكلامِ، الذي لا يصلُحُ أنْ يُكتَبَ في مجلَةٍ فاجرَةٍ، فضلاً على أنْ يُكتَبَ بما يزعمونَ أنَّهُ التَّوراةُ كلامُ اللهِ المقدَسِ، غير أنّي قلتُ للشّابِ: لدي المزيدُ ولكنَّ هذا المزيدَ لنْ ألوثَ بالنُّطقِ بِهِ لساني، ولا بأسَ أنْ تُلوَّثَ بِهِ صحيفةٌ في سبيلِ إظهارِ فضلِ القُرآنِ على سائرِ الكُتُبِ، فاقرأ أيُّها الشّابُ هذِهِ الجُملَ المذكورةَ بما يدَّعونَ كَذِباً وزوراً أنَّهُ التَّوراةُ، وبدأَ يقرأُ الشّابُ ما نَصُّهُ: (هذا نشيدُ الإنشادِ في الليلِ على فراشي طلَبْتُ مَنْ تحبُّهُ نفسي، طلَبتُهُ فما وجدتُهُ، وجدني الحُراّسُ الطّائفُ في المدينةِ، فقلتُ: أرأيتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نفسي ؟!! فأمسكتُهُ ولم أرخه حتى أدخلتُهُ بيتَ أمِّي وحجرةَ مَنْ حَبلتْ بي... بينَ ثدييَّ يبيتُ... شمالُهُ تحتَ رأسي ويمينُهُ تعانِقُني...)) .

الشّابُ إنّي أرى أثرَ الحياءِ والارتباكِ قد مازجَ حِبرَ قَلمِكَ، مِثْلَما أنَّهُ ألجَمَ لسانَكَ؟ قلتُ ولديَّ المزيدُ ممّا هو أدْهى وأمَرُّ مِنْ هذا الكلامْ المدسوسِ على التَّوراةِ لولا أنَّكَ شابٌ أعزبٌ أخافُ عليكَ مِنْ وساخَةِ هذا الكلامِ.

الشّابُ: اكففْ باللهِ عليكَ وصُنْ قلَمَكَ عنْ مثْلِ هذهِ النذالةِ في الألفاظِ، وعُدْ بي إلى شاطئِ الأمانِ، عُدْ بي إلى كتابِ ربي فقَدْ تشَوقتُ لسَماعِ ذلكَ الأسلوبِ، الذي أخبرتني أنَّهُ يتعرَّضُ لأدَقِ المسائلِ الجنسيةِ وأشدِها حرَجاً، دونَ أنْ يُحَرِِّكَ فينا مشاعِرَ الشَّهوَةِ، ودونَ أنْ يستعمِلَ في التَّعبيرِ الألفاظَ الوعِرَةَ، قلتُ إذاً أحضرِ القلبَ واطرحِ اللهو، ولتستَمِعْ ولتُنصِتْ لمَا سأتلوهُ عليكَ مِنَ الآياتِ الكريماتِ، عسى أنْ نكونَ مِنَ المرحومينَ، قالَ تعالى:( الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) [الأعراف 189] فمعنى تغشّاها أيْ واقعَها، وقالَ تعالى معبِراً عنِ الجِماعِ باللَّمسِ: (  يَا  أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُورا ً) [النساء: 43] ( قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ) [مريم: 20]، وقال تعالى معبراً عن التصاقِ جسَدِ الرَّجُلِ بِجَسَدِ المرأةِ حالَةَ الوقاعِ، بكونِ كلِّ واحدٍ مِنهُما لباساً للآخرِ ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ) [البقرة: 187]، ولمَّا أرادَ القُرآنُ أنْ يُبَيّنَ طُرُقَ الجماعِ المباحَةِ، بَينَ الرَّجُلِ والمرأةِ والمكانَ الذي ينبغي أنْ تؤتى مِنهُ الزَّوجَةُ، عبرَّ َعن ذلكَ الموضِعِ الحَرِجِ مِنْ جَسَدِ المرأةِ، بالحرثِ أيْ الموضِعِ الذي يلقي فيهِ الفلاَّحُ البذارَ فقالَ:( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 223] فأنتَ ترى أنَّ القُرآنَ قدْ آثرَ في جميع ِتلكَ المواضِعِ، الرِّقةَ في اللَّفظِ والشفافيةَ في التعبيرِ والرَّشاقةَ في التَّصويرِ دونَ الفظاظةِ مِنَ القولِ، أو الإسفافِ في التَّعبيرِ، أو الانحطاطِ في التَّصويرِ، واستعملَ فيها الكنايةَ مِنْ دونِ الجهرِ بالبذيءِ مَنَ اللفظِ، أو المنحَطِ مِنَ الكَلِمِ، حتى إنَّ القُرآنَ لمّا صورَ لنا شغفَ امرأةِ العزيزِ بيوسُفَ، ومحاولتَها الفاشلةَ للإيقاعِ بِهِ في شِباكِ الفاحِشَةِ، بعدَ أنْ غلَّقَتِ الأبوابَ مِنْ دونهِما وازَّيَّنَتْ وارتدَتْ الشُّفوفَ مِنَ اللباسِ، وأبدَتْ لهُ مفاتِنَها مِنْ غيرِ احتشامٍ،... فإنَّ القُرآنَ أتى على كُلِ هذا بألفاظٍ مُحكَمَةٍ، قد تعرَّتْ عنِ الإغراءِ وتجردَتْ مِنَ الإغواءِ، ولو أنَّ كاتباً ما ، أدَارَ قلَمَهُ ليَنْسُجَ قِصَّةً كهذِهِ القِصَّةِ أو ليحكيَ معانٍ كهذِهِ المعاني، لفَشِلَ عنِ انتقاءِ ألفاظٍ مُعبرةٍ مِنْ غيرِ تهيِّج ، مصورةٍ مِنْ دونِ تخييلٍ، موضحةٍ ولكنْ دونَ تأجيجٍ، كما هو الشأنُ في ألفاظِ القُرآنِ معَ هذهِ القِصَّةِ، قالَ تعالىَ: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [يوسف: 23ـ 25]

الشّابُ: لمْ يقعْ منّي سَمعٌ على أسلوبٍ في طرحِ الأمورِ الجِنسيَّةِ أعذبَ، ولا ألطَفَ، ولا أجملَ مِنْ هذا الأسلوبِ، الآنَ قدْ تذوقتُ حلاوةَ القُرآنِ وتعرَّفتُ إلى مِقدارِ الاحتِشامِ لدى ألفاظِهِ، التي تنأى بتاليها عَنْ الإثارَةِ الجِنْسيَّةِ.

هلْ تُراهُ بقيتْ بنودٌ لمْ تذكُرها، للارتقاءِ إلى ذُرى العِفَّةِ التي أمَرَنا اللهُ بها في قولهِ: (وليستعفف) سوى غضِّ البصرِ، وصومِ النَّفلِ، والابتعادِ عنِ المثيراتِ الجِنْسيَّةِ، وملئُ الفراغِ بالشَّيء النّافع وعدم الخلوة وكشف العورة، وممارسة الألعاب الرِّياضيَّة.

ـ : بقيَ أمرانِ لم نذكُرهُما:

أمّا الأوَّلُ: فهو الرِّفقةُ الصّالُحَةُ.

وأمّا الثَّاني: فتجنُّبُ الاختلاطِ بينَ الرِّجالِ والنِّساء.

الشّابُ: وما دورُ الرِّفقَةِ أو الأُخوَّةِ الصّالِحَةِ ـ التي حدثتني عنها ـ في استِحضارِ العِفَّةِ، التي تتسامى بالغريزَة ِ؟  ( يتبع )

كتبه هاني الحلبي