مشكلات الشباب

كانتْ رجالُ الدّينِ المسيحيِ في القرونِ الوسطى تدعوا إلى التَّسامي عنِ الغريزةِ الجنسيَّةِ والتَّرَفُعِ عنها، حتى غدَ الزَّواجُ خلافاً للأولى بلْ محرَّماً عليهم، فالعذوبةُ والانقطاعُ عنِ النِّساءِ، هو التَّسامي والرِّفعةُ بالنِّسبةِ لهمْ، فكانتِ الرَّهبانيةُ المبتدَعةُ التي لم يكتبْها اللهُ عليهمْ، ممّا حدا بهم إلى كبْتِ الشَّهواتِ، وتحميلِ النَّفسِ البشريَّةِ فوقَ الطّاقةِ والوِسعِ، ممّا أدّى إلى انفلاتِ الأمورِ والتَّطرُّفِ في إشباعِ الشَّهوةِ في طرقٍ بعيدةٍ عنِ المقاييسِ الدّينيةِ، بلْ حتّى الحيوانيَّةِ.إلى أنْ سجلَ التّاريخُ مِنْ مخازي أولئكَ الرُّهبانِ في استباحتهم للمحرَّماتِ صُحُفاً ورِقاعاً!!!

جاءَ الإسلامُ ليعترِفَ بالدَّوافعِ الفطريَّةِ والكوامنِ الغريزيَّةِ، والميولِ البشريَّةِ التي قد فطرَ اللهُ النّاسَ عليها، فرَّغبَ بالزَّواجِ قالَ تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، [الروم: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم:((يا معشرَ الشَّبابِ مَنِ استطاعَ منكمْ الباءةَ فليتزوج، فإنَّهُ أغضُّ للبصرِ

وأحصنُ للفرجِ، ومَنْ لمْ يستطعْ فعليهِ بالصَّومِ فإنَّهُ لهُ وجِاءٌ)) .

ووردَ عنهُ صلى الله عليه وسلم قولَهُ: ((تزوجوا الوَلودَ الودودَ فإنّي مكاثِرٌ بكمُ الأممَ يومَ القيامةَ))

جاءَ الإسلامُ ليُحذِّرَ مِنَ الانقطاعِ عنِ الزَّواجِ بحجَّةِ العبادةِ والتَّفرغِ لأجلِها، فعنْ أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: (( جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى بُيوتِ أزواجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يسألونَ عنْ عبادةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمّا أُخبِروا كأنَّهمْ تقالّوها وقالوا: أينَ نحنُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقدْ غُفِرَ لهُ ما تقدمَ مِنْ ذنبِهِ وما تأخرَ، قالَ أحدُهمْ: أمّا أنا فأصلي الليلَ أبداً، وقالَ الآخرُ: وأنا أصومُ الدَّهرَ ولا أفطرُ، وقالَ الآخرُ: وأنا أعتزِلُ النِّساءَ، فلا أتزوجُ أبداً، فجاءَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إليهمْ فقالَ: ((أنتمُ الَّذينَ قلتمْ كذا وكذا، أمّا واللهِ إنّي لأخشاكمْ للهِ وأتقاكمِ لهُ، لكنّي أصومُ وأفطرُ، وأصلّي وأرقدْ، وأتزوجُ النِّساءَ، فمنْ رغِبَ عنْ سُنَّتي فليسَ منّي)

جاءَ الإسلامُ ليُثيبَ الرَّجلَ والمرأةَ اللذينِ يصرِفانِ شهوتيهِما في الأبوابِ المشروعةِ، بعيداً عنِ ظلماتِ الحرامِ، إذْ قالَ صلى الله عليه وسلم: ((وفي بِضعِ أحدِكُمْ صدقةٌ قالوا: يا رسولَ اللهِ أيأتي أحدُنا شهوتَهُ ويكونُ لهُ فيها أجرٌ قالَ أرأيتمْ لو وضعها في الحرامِ أكانَ عليهِ وِزرٌ فكذلكَ إذا وضعَها في الحلالِ كانَ لهُ أجرٌ)).

لمْ يأتِ الإسلامُ ليقولَ للشّابِ والفتاةِ: ترفعا عن ِالمشاعرِ الجنسيَّةِ، إنَّما أتى ليقولَ لا تكونانِ مِنْ عُبّادِ الشهواتِ فتزلَّ بكما القدمُ عن صرحِ الفضيلةِ. نعمْ أتى الإسلامُ ليقولَ:( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وقالَ صلى الله عليه وسلم: ((ومَنْ يستعفِفْ يعفُّهُ اللهُ، ومَنْ يستغنِ، يغنِهِ اللهُ ومَنْ يتصبَّرْ يصبِّرْهُ اللهُ، وما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ مِنَ الصَّبرِ)) .

الشّابُ: قدْ فهمتُ مِنْ فحوى كلامِكَ، أنَّ الدِّينَ قدْ سَما بالغريزةِ الجنسيَّةِ عنِ الكبتِ، فشرعَ الزَّواجَ كوسيلةٍ لتفريغِ هذهِ الشَّهوةِ وكحلٍ جذريٍ للتسامي بالغريزةِ عنْ مهالكِ الرَّزيلَةِ، ولكنْ ما الَّذي يفعلُه الشَّابُ الَّذي قدْ ضُرِبَ بينَهُ وبينَ الزَّواجِ بسدودٍ لا يستطيعُ أنْ يخترِقَها، فكيفَ تسامى الدِّينُ الإسلامي بغريزةِ مَنْ قد سيطرتْ عليهِ الشَّهوةُ، وغيَّبتْ منهُ العقلَ وأغلقتْ عنهُ الصَّبرَ، وضيَّقتْ عليهِ أبوابَ الفرَجِ؟

 إنَّ الإسلامَ الَّذي قدْ أقرَّ بالغريزةِ، ولبَّى نداءاتِ الفطرةِ، قدْ طالبَ مَنْ هو على شاكلةِ هذا الشّابِ بالاستعفافِ المذكورِ في كتابِ ربِّنا وسنَّةِ نبيِّنا عندما قالا: (وليستعففِ الذينَ لا يجِدُونَ نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله) (ومَنْ يستعفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ) فهو الاستعفافُ إلى غايةِ الإغناءِ مِنْ فضلِ اللهِ.

الشّابُ: إنَّ كُلاً مِنَ اللهِ ورسولِهِ قد طلب مِنّا التعفُّفَ بأداةِ الطَّلبِ، التي هي حرفُ السِّينِ في (وليستعفِفْ) ومَنْ (يستعفِفْ) فهل وضعَ لنا دينُنا منهجاً إنْ نحنُ عكفنا على تطبيقِهِ، تحصَّلتَ لنا تلكَ العفَّةُ؟

قلتُ: بالتأكيدِ إنَّ الإسلامَ قد وضعَ منهجاً عاماً للتسامي بالعفَّةِ، ولغرسِ الفضيلةِ بينَ جميعِ أفرادِ المجتمعِ، وهذا المنهجُ لا يخصُّ العَزبَ وحدَهُ ، بل هو شِركةٌ بينَ جميعِ أفرادِ المجتمعِ.

الشّابُ: هلا عدَدتَ ليَ بنودَ هذا المنهجِ؟

1ـ غضُّ البَّصرِ

2ـ الإكثارُ مِنَ الصّيام

3ـ تجنُّبُ المثيراتِ الجنسيَّةِ.

4ـ ملئُ الفراغ بالشَّيء النّافع

5ـ عدم الخلوة وكشف العورة

6ـ ممارسة الألعاب الرِّياضيَّة

الشّابُ: وأنَّى للشّابِ أنَّ يغضَّ طرفَهُ وكلُّ ما في الطَّريقِ يناديهِ هيتَ لكَ؟ ثُمَّ هي نظرةٌ ومتعةٌ مَجّانيةٌ لا تَهتِكُ عرضاً ولا تهدمُ بيتاً ؟ !!

ـ: مازِلتَ كما عهدتُّكَ سريعَ الطَّيشِ، تحكُمُ على ظواهرِ الأمورِ دونَ أنْ تسبِرَ غورَ ها.

الشَّابُ: وهل للنَّظرَةِ مِنْ باطنٍ مسمومٍ هوَ مِنَ الخطرِ بمكان ٍ؟ ( يتبع )

كتبه هاني الحلبي