الشَّابُ:
ألسْنا أصحابَ حُرِّيةٍ
نحيى بها كيفَ نشاءُ، ونمضي فيها أنَّى نشاءُ؟
قلتُ: للحرِّيةِ أنواعٌ كثيرةٌ، فأيُّ الحُرِّياتِ
قصدتَ؟
الشَّابُ: مطلقَ الحرِّيةِ.
فطرحتُ عليهِ السُّؤالَ التَّالي:
ما هيَ أحَبُّ مراحلِ الحياةِ إليكَ ؟
أجابَ: مرحلةُ الشَّبابِ بالتَّأكيدِ، إذ فيها كمالُ
القوَّةِ وبهاءُ الفتَّوةِ ووفرةُ الصَّحةِ.
إذاً يا أيُّها الشّابُ: هلْ تستطيعُ أنْ تحافظَ على
سنِّ الشَّبابِ مهماً امتدَّ بكَ الزَّمنُ، دونَ أنْ
تعتريكَ الشَّيخوخةُ بما فيها مِنْ ضعفٍ، وهرَمٍ،
وسقمٍ؟
أطرقَ الشّابُ ملياً مبدياً علاماتِ الحيرةِ، ثُمَّ
رفعَ رأسَهُ ليقولَ: لا، لا أستطيعُ الحفاظَ على أحبِّ
أيَّامِ حياتي. ولمَّا سألتُهُ عنِ السَّببِ؟
الشَّابُ: لأنَّ الكِبرَ أمرٌ قسريٌ خارجٌ عن إرادتي،
كما هو شأنُ النُّعاسِ والنَّومِ، ومثلُهُ ضرباتُ قلبي
وإطباقُ جفني عند الغبارِ، وقدومي إلى الحياةِ وترحلي
عنها، أمورٌ لا أستطيعُ التحكمَ بها، ولا أنْ أعملَ
شيئاً لدفعِها.
قلتُ: إذاً أنتَ لستَ صاحبَ حرّيةٍ مطلقةٍ، تحيى بها
كيفَ تشاءُ وتمضي فيها أنّى تشاءُ، ولو كنتَ كما تدعي،
لما اعترتكَ أمورٌ ونازلتكَ أطوارٌ لا تحِبُّها ولا
ترضاها، ولملكتَ لها دفعاً وردّاً، فأنتَ صاحبُ حرّيةٍ
مقيَّدَةٍ، فالحرّيةُ المطلقةُ ضربٌ مِنَ الخيالِ.
أمّا الحرّيةُ المقيَّدَةُ التي هي عبارةٌ عن سلوكٍ
معينٍ في هذهِ الحياةِ، والتَّمتعِ بلذائذِها كيفَ
اتفقَ فهي مقيدةٌ بقيدي (الشَّرعِ) و(القوانينِ
الوضعيةِ) التي تُراعى فيها المصلحةُ العامةُ، فمنْ
أرادَ أنْ يتفلَّتَ ويَخْلُصَ بحرّيتِهِ مِنْ قيدِ
الشَّرعِ، لضَعفٍ في إيمانِهِ نقولُ لهُ لكَ الحرّيةُ
في عدَمِ تطبيقك للشَّرعِ، حيثُ إنَّ تطبيقَ الشرعِ،
ليس من الأمورِ القسريةِ المرغمِ عليها، غيرَ أنَّ
المجتمعَ سيستَوقِفُكَ ليقولَ لكَ: أنتَ حرٌّ، على أنْ
لا تُزعجنا بتلكَ الحرّيةِ، وإلا أنزِلَتْ فيكَ أقسى
العقوباتِ حتى إنَّ القانونَ الوضعيَّ ليحرُمكَ مِنْ
أتفهِ الحرّياتِ، إذا كان فيها إزعاجٌ للآخرِ.
الشّابُ: إذاً أستطيعُ وذلكَ الآخرَ أنْ نعقِدَ
اتفاقاً، على أنْ يكونَ لكلٍ منَّا حُرّيتَهُ مقابل َ
أنْ أسامحَهُ ويسامحني بالإزعاجات المترتبة على هذه
الحرّية.
قلتُ: إنَّ مثلَ هذا الاتفاقِ المضروبِ بينكما، لن
يصمدَ أمام أتفهِ الحرّياتِ المزعومةِ، وإليكَ مثالاً
على ذلكَ.
فلو كانَ جارُكَ مِنْ هواةِ الأغاني الصاخبةِ
العاليةِ، التي يُسمَعُ ضجيجُها مِنْ آخرِ الشّارعِ،
وكُنتَ أنتَ مِنْ هواةِ النَّومِ والخمولِ، فقد ارتأتْ
لكَ نفسُكَ أنَّ حرّيتكَ تكونُ بصحبةِ الفراشِ
واللِّحافِ طوالَ اللَّيلِ والنَّهارِ، كما ارتأتْ لهُ
نفسُهُ أنَّ حرّيَتَهُ لا تتحققُ إلا بقضِّ مضجعِكَ،
وإزعاجِ أُذنيكَ بأغانيهِ الصّاخبةِ، فهلْ لمثلِ
اتفاقكُما المزعومِ أنْ يصمدَ لأكثرَ مِنْ عشرةِ
أيّامٍ أمامَ مثلِ هذهِ المزعجاتِ؟ ولو بحثنا عن حلِّ
للمشاكلِ النَّاتجةِ عن مثلِ هذهِ الحرّيةِ، فلن يكونَ
لذلكَ الحلِّ وجودٌ إلاَّ بتقيدِ حرّيتِهِ بأنْ يخفِضَ
صوتَ المسجلةِ، أو أنْ يجعلَ فترةَ الاستماعِ في غيرِ
وقتِ الرّاحةِ المعتادِ، وبتقيدِ حرّيتِكَ في
مطالبَتِكَ الآخرينَ، بعدَمِ إزعاجِكَ في غيرِ أوقاتِ
الرّاحةِ المخصَّصةِ للنَّومِ والقيلولةِ.
فإذا كانتْ مثلُ هذهِ الحرّيةِ الضئيلةِ ممتنعةً، بسبب
الإيذاءِ المترتبِ عليها، فكيفَ بالحرّيةِ التي تدعو
إلى الانحلالِ عن الأخلاقِ، والمروقِ مِنَ الأعرافِ ؟!
ومِنْ ثَمَّ فأيُّ حرّيةٍ هذهِ التي تدعو صاحِبَها
لهتكِ الأعراضِ، وإتلافِ الأموالِ؟! أيَّةُ حرّيةٍ
هذهِ التي تُصَيّرُ الفتاةَ الشَّريفةَ العفيفةَ
ساقطةً في مستنقعاتِ الرَّزيلةِ ؟! أيَّةُ حرّيةٍ هذهِ
التي تُحتِّمُ على الفتاةِ أن تُسْقِطَ فلذةَ كبدِها،
أو تقُتلَ حملها أو أنْ تجعلَ مِنْ وليدِها لُقَطَةً
مرمياً أمامَ الأبوابِ مخافةَ الفضيحةِ، بسببِ نزوةِ
عابرةٍ أو لذَّةٍ فاجرةٍ؟!
بل ما أسخفَها مِنْ حرِّيةٍ تلكَ التي تلقي بهذِهِ
الفتاةِ في الطُّرقاتِ، أو تجعلُ منتهى حياتها
الحاناتِ والخمّاراتِ، أيَّةُ حرِِِِِّيةٍ التي ما
يرضيكَ أنْ تكونَ ضحيتُها أمُّكَ، ولا أختُكَ، ولا
ابنتُكَ، أ وزوجكَ، غيرَ أنَّه يسُّركَ أنْ تكونَ
ضحيتُها أمُّاً، أو أختاً، أو بنتاً، أو زوجاً لغيرِكَ
مِنَ النّاسِ؟!
أبصرْ بها وأسمعْ مِنْ حرّيةٍ، تطيشُ بيديِّ الشّابِ
كخنجرٍ مسمومٍ ذي حدّينِ، فبينما يمرُّ بنصلهِ
الأوَّلِ على مقتلٍٍ في الفتاة، يمرُّ بطرفهِ الآخرِ
على مقتلٍ في نفسهِ، فلا يتنبهُ إلا وقد استنزفتْهُ
الأمراضُ ونازلتهُ الأعراضُ، وضاعَ مستقبلُهُ تقلباً
بينَ أحضانِ الرَّذيلةِ، لتندمِلَ المأساةُ أخيراً عن
شابٍ حبيسِ الفراشِ، صريعِ الأسقامِ، عديمِ الأموالِ،
معطَّلِ الكسبِ. أو عن كبيرٍ مسنٍ لا زوجةَ له يستأنسِ
بظُرفِها ويستدفئُ بعطفِها، ولا ولدَ عندهُ يتقوى بِهِ
على معترَكِ الحياةِ أو يحمِلُ اسمَهُ ويحميهِ مِنَ
الفناءِ والنِّسيانِ.
وأنّى للسَّاقطِ الخليعِ المنهمكِ في مستنقعِ
الرَّذائلِ، الغائصِ في نتنِ النَّقائصِ الغارقِ في
درنِ المومسات، أنّى لهُ الزَّوجةَ والأولادَ؟!!
الشّابُ: إذا كانتِ القوانينُ الوضعيةُ قد تكفَّلتْ
بالحدِّ مِنَ الحرِّياتِ، مراعاةً للمصالحِ العامَّةِ،
فلمَ لا نستغني بهذهِ الأنظمةِ والقوانينَ، عنْ
القيودِ التي ألزمَ بها الدِّينُ أصحابَ الحرّياتِ.
فهلْ ثمَّةَ مِنْ فارقٍ بينَ الأنظِمَةِ الوضعيةِ
والضَّوابطِ الشَّرعيةِ؟
الفرقُ بينَ الأنظمةِ الوضعيةِ والضّوابطِ الشّرعيةِ
في المحافظَةِ على مقاييسِ الحرّيةِ الصَّحيحةِ؟
ـ: إذا كُلِّفتَ أنت وأربعٌ من رفاقكَ بوضع قوانينَ
تتعلقُ بالأحوال المدنيةِ، ما هي الأسُسُ التي
ستشيدونَ عليها هذهِ القوانين؟
الشّابُ: مراعاةُ المصلحةِ،
سألتُهُ: أيُّ مصلحةٍ ستسعونَ لمراعاتِها، وما
السُّبلُ التي ستختارونها لتحقيقِ تلكَ المصلحةِ؟
الشّابُ: مصلحةُ الشَّبابِ الذينَ قدْ هُضِمَتْ
حقوقهم، وضُيِّعَتْ أحلامُهُمْ في ضوضاءِ هذهِ
المدنيةِ، التي قد جرّتْ إلى الشَّبابِ المصائبَ،
وزَجَّتْ بهمْ في كهوفِ الظلمِ والضَّياعِ. وسنحققُ
المصلحةَ، بتأمينِ الوظائفِ والأعمالِ المناسبةِ لهذهِ
الطَّبقةِ بأجورٍ مرتفعةٍ، كما سنجعَلُ للشَّبابِ
الحقَ في امتلاكِ المنازلِ ونيلِ الامتيازاتِ مِنَ
الدَّولةِ، أضفْ أننا سنُصدِرُ قانوناً يمنعُ
المغالاةَ في المهورِ، وقانوناً آخرَ يُبيحُ لكلِّ
شابٍ حقَ اختيارِ الزوجةِ المناسبةِ لهُ، دونَ أنْ
يكونَ لها أو لولي أمرِها حقُ الرَّفضِ أو الاعتراضِ،
وسنُصدِرُ... إلى أنْ طلبتُ مِنْهُ التَّوقفَ لأبتدئ
معَهُ الحوارَ التَّالي:
أستخلصُ مِنْ كلامْكَ أنَّ القوانينَ التي ستضعونَها
هي مناسبةٌ لسِنِّ الشّبابِ دونَ غيرهِم، فهيَ إنْ
أرضتكُم معاشرَ الشَّبابِ، لن ترضي الشّيوخَ ولا
الأطفالَ والآباءَ ولا حتى النِّساءَ، حيثُ إنَّ هذهِ
القوانينَ قد هيّأت لكُم الحرّياتِ التي ظننتُم أنَّها
سبيلُ سعادتِكُم، غيرَ أنَّها قدْ حجبتِ الآخرينَ عن
حرّياتِهِم ونيلِ طموحاتِهِم، فما المعنى أنْ تنفردوا
بالمناصِبِ والوظائفِ المرموقةِ، ويُحرَمَ مِنْها
غيركُم. الذين ربما امتلكوا مِنَ الخبرةِ وحسنِ
الإدارةِ أكثرَ ممّا تملكونَ، ممّا يجعلُ مِنْ هذهِ
الحرِّيةِ ضرراً يعودُ أثرُهُ على المجتمعِ برمَّتِه،
سواءٌ مِنَ النّاحيةِ الاقتصاديةِ أو الإداريةِ، فهذهِ
الأنظمةُ، توضعُ على أساسِ مراعاةِ مصالحِ وحرّياتِ
الأيدي الواضعةِ لها، فإنَّ الذي ألجأكَ ـ في
الافتراضِ الذي افترضناه ـ إلى تعديلِ القوانينِ
السّابقةِ وتبديلها، هو أنَّ الذينَ وضعوا تلكَ
القوانين والأنظمةِ السّابقةِ مِنْ طبَقَةٍ غيرِ
طبَقَةِ الشّبابِ، حيثُ راعوا في وضعِها مصالحَ
الطَّبقةِ الذينَ هُمْ مِنْ زُمرتِها، فلو أنَّ الذينَ
اختيروا لوضعِ الأنظمةِ، كانوا مِنْ طبقةِ الأغنياءِ
لمَا وسِعَهُم مِنْ هذهِ الأنظمةِ، إلا ما يكونُ فيها
مراعاةُ مصالحِهِم التِّجاريةِ ولو كانتْ على حسابِ
ذوي الدَّخلِ المحدودِ والفقراءِ وهلمَّ جراً.
فالأنظمةُ الوضعيةُ:
ـ لا تراعي في حرّياتها المصلحةَ العامة.
ـ لا ترضي جميعَ طبقاتِ المجتمع.
ـ تصلح لبيئة دون غيرها.
ـ مهدَّدَةٌ للزَّوالِ بينَ جيلٍ وآخر، فهي خاضعةٌ
للتبديلِ والتغيرِ على مرِّ الزَّمنِ.
ـ إذا غفلتْ عينُ الرَّقابةِ, استشرى الفسادُ وعمَّتْ
فوضى الحرِّيةِ، وتنصَّلَ كلُ شخصٍ مِنْ ربقةِ
الواجباتِ والتَّكاليفِ المنوطةِ بهِ.
الشّابُ:
وهل استطاعَ الدّينُ أنْ يحافظَ على مقاييسِ الحرّيةِ،
التي تضمنُ السَّعادةَ لجميعِ أفرادِ المجتمعِ، دونَ
أيِّ استثناءٍ؟
قلتُ: إنَّ الدِّينَ لمْ يأتِ لتقييِدِ الحرّياتِ،
إنَّما جاءَ لتهذيبِها دونَ اجتثاثِها، فالدّينُ أتى
مُنَظِماً للحرّيةِ لا هادماً لها، وإذا منعَ باباً
مِنْ أبوابِ الحرّيةِ المضرَّةِ بالمصلحةِ العامةِ
فتحَ مِنْ دونِهِ أكثرَ مِنْ بابٍ، وإليكَ هذا المثالُ
المقتبسَ مِنْ صُلبِ ديننا، جاءَ الإسلامُ ليُحَرِّمَ
الرِّبا، فالظّاهرُ أنَّ الإسلامَ قدْ ضيَّقَ الخناقَ،
وحدَّ مِنْ حرّيةِ تنميةِ صاحبِ الأموالِ لأموالهِ في
بابٍ مِنْ أبوابِ التنميةِ، والظّاهرُ أنَّ الإسلامَ
بهذا التَّحريمِ قْد ضيَّقَ الخناقَ على الفقيرِ،
وقطعَ عنهُ حرّيةً مِنْ حرّياتِ جلبِ الأموالِ.
غيرَ أنَّ الإسلامَ لمّا حرَّمَ الرّبا باركَ في
التِّجارةِ وجعلَ التَّاجرَ الصَّدوقَ معَ الكرامِ
البررةِ، وأباحَ لصاحبِ المالِ أنْ يدفعَ مالَهُ إلى
فقيرٍ ليتاجرَ بذلكَ المالَ، مقابلَ ربحٍ يتقاسمانِهِ
في ما بينهُما، وجاءَ الإسلامُ ليرغبَ الغنيَ
بالإحسانِ إلى الفقيرِ مِنْ دونِ مقابلٍ، أو بإقراضِهِ
المالَ مِنْ غيرِ فائدةٍ ربويَّةٍ، قالَ تعالى: }
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{ [البقرة: 274].
وقالَ تعالى:} يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي
الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ
أَثِيمٍ { ، [البقرة: 276] وفتحَ للفقيرِ بابَ
الزَّكاةِ يأخذُها مِنْ أموالِ الأغنياءِ، فأنتَ ترى
كيفَ أنَّهُ تعاملَ معَ الفريقينِ دونَ أنْ يفرِّطَ في
مصلحةِ إيٍ منهُما على حسابِ الآخرِ.
الشّابُ: جاءَ الإسلامُ ليُقَيِّدَ مِنْ حرّيةِ
الشَّبابِ في علاقاتِهم مع الفتياتِ فحرَّمَ الزِّنا؟
أجبتُهُ: حرَّمَ السِّفاحَ غيرَ أنَّهُ أحلَّ
النِّكاحَ.
الشّابُ: إنَّ الزِّنا بابٌ مِنْ أبوابِ الحرّيةِ
مُيَسَّرٌ سهلٌ، غيرَ أنَّ النِّكاحَ بابٌ يصعبُ
الولوجُ إليهِ، فأولياءُ أمورِ الفتياتِ يطالِبوننا
بالمهورِ الغاليةِ والوظائفِ المرموقةِ، ويكلفوننا ما
نطيقُ ومالا نطيقُ ؟!.
أجبتهُ: ولكنَّ الإسلامَ لما حرَّمَ الزِّنا وأحلَّ
النِّكاحَ يَسَّرَ أسبابَهُ، فقالَ لأهلِ الفتاةِ:
((إذا جاءَكُم مَنْ ترضونَ دينَهُ وخلقَهُ، فزوجُوهُ
إلا تفعَلوا تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ))().
وقالَ أيضاً: } وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن
يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ { [النور: 32].
وحضَّ الإسلامُ على عَدمِ المُغالاةِ في المهورِ،
فقالَ r : ((إنَّ أعظمَ النِّكاحِ بركةً أيسره مؤنةً)).
وقال صلى الله عليه وسلم : ((يُمنُ المرأةِ تيسيرُ خِطبتها وتيسيرُ
صداقِها)) .
بلْ إنَّهُ r قدْ طبَّقَ هذهِ المبادئ تطبيقاً عملياً،
عندما زوَّجَ ابنتَهُ فاطمةَ مِنْ عليٍ كرَّمَ اللهُ
وجهَهُ، فعن ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما، ((أنَّ
عليّاً قالَ: تزوجتُ فاطمةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ:
ابنِ بي. قالَ r : أعطِها شيئاً، قلتُ ما عندي مِنْ
شيءٍ، قالَ فأينَ درعكَ الحطمية؟ قلتُ هيَ عندي، قالَ:
فأعطِها إيّاها))().
فأنتَ ترى أيُّها الشّابُ أنَّ المشكلةَ لمْ يكنْ
مصدَرُها الدّينُ، بل إنَّما المصدرُ لها والباعثُ
عليها إنَّما هو تركُ تعاليمِ ديننا الحنيفِ، على أنَّ
الخيرَ في هذهِ الأمَّةِ لا ينقطِعُ، فكَمْ مِنَ
الآباءِ زوجنَ بناتِهِنَّ على مهورٍ زهيدَةٍ، بلْ وكمْ
مِنَ الآباء مَنْ قد قاموا بمساعدةِ الزَّوجِ على
صعوباتِ هذهِ الحياةِ.
الشّابُ: هل حقاً يوجدُ في زماننا مثلُ هؤلاءِ
الآباءِ؟ وما الذي حمَلهمْ على مثلِ هذا الصَّنيعِ مع
عدمِ وجودِ قانونٍ أو نظامٍ يُقَيِّدُ مِنْ
حرِّياتِهِمْ، ويتوعدُهم بالسَّجنِ إنْ هُمْ غالوا في
المهورِ؟!
قلتُ: الذي حملهم على مثلِ هذا الصَّنيع أنّ المؤمنَ
وإنْ غابتْ عنهُ رقابَةُ الظّاهِرِ، غيرَ أنَّ رقابةَ
الذي لا يخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ
باقيةٌ أبداً. ولن يكونَ لهذه المشكلة مِنْ حلولٍ، ألا
بالعودةِ إلى هذا الدِّين القويمِ، والأوبةِ لتطبيقِ
تعاليمِهِ السَّمحَةِ.
هنا صمتَ الشّابُ تأخذهُ نشوةٌ عظيمةٌ، قد أخذتهُ مِنْ
نفسِهِ، ليقولَ بصوتٍ خافتٍ: ما أعظمَ هذا الدّين!!!
قلتُ لهُ ماذا ؟
الشّابُ: لا لا شيءَ لنتابعِ الرِّحلةَ .