قصة :
يروى أنَّ شاباً كانَ يرتادُ أماكنَ
اللهوِ ويرتعُ في مناطقِ الفجورِ، يجتمعُ في كلِّ
مساءٍ مع الأصحابِ عند امرأةٍ عاهرةٍ، يتعاورنَ وإياها
كؤوسَ الخمرِ يسارقونها النَّظرات، ويبادلونها القبلات
ِ.
كانَ لهذا الشَّابِ أبٌ شيخٌ كبيرٌ، يتفجرُ منه القلبُ
حرقةً على ضياع ابنهِ ـ كما هوَ حالُ أبيكَ يا أيُّها
الشَّابُ التَّائهُ ـ يحتالُ لنصحهِ باللينِ حيناً
وبالشِّدةِ أخرى، فلمّا استيئسَ منهُ خَلُصَ له
نَجيَّا: يا بني: لن أعترضَ عليكَ بعدَ يومي هذا، غيرَ
أنَّ لي عندكَ رجاءٌ فلا تخيبنَّ والدكَ في رجائه.
تنفَّسَ الشّابُ الصُّعداءَ وهو يقول في نفسه فرِحاً:
اليومَ أتحررُ منْ آخرِ قيودِ حياتي، اليومَ أتحررُ
مِن نصائحِ والدي، التي تحولُ بيني وبينَ متعي، وقالَ
سأحققُ رجاءكَ يا أبتِ فهاتِ ما عندكَ؟ الأبُ: أودُّ
منك أن تؤخِّرَ ذهابكَ المعهودَ إلى فجرِ هذا اليومِ
على أنْ يكونَ هذا التَّأخيرُ ليومٍ واحدٍ فقطْ.
حانَ وقتُ السَّهرِ المعتادِ، وكلَّما همَّ الشّابُ في
مغادرةِ المنزلِ تذكرَ وصيَّةَ والدهِ، فحبسَ نفسَهُ
عنِ الخروجِ إلى حينِ بلوغ الفجرِ، ليغادرَ على عجالةٍ
وشوقٍ إلى تلكَ الأضواءِ الحمراءِ حتى إذا ما بلغَ
ذلكَ الحيَّ، رأى مشهداً تقشعِرُ لهُ الأبدانُ, و
تتقززُ منهُ النُّفوسُ و تأنفُهُ أصحابُ الفطرِ
والعقولِ السَّليمةِ، بَصُرَ أحدَ أصدقائِهِ ممدداً
على قارعةِ الطَّريقِ، والرِّيحُ الكريهةُ تنبعثُ مِنْ
فمِهِ وثيابُهُ البيضاءُ قد مازجها الطينُ، وشاهدَ
آخرَ يتأرجحُ يمنةً ويسرةً يسقطُ تارةً ويتعثرُ تارةً،
كالطِّفلِ يمشي أولى خطواتِهِ، ورأىَ ثالثاً كادتْ أنْ
تصدمهُ السَّيارةُ، لولا أنَّ أحدَ المصلِّينَ أخذَ
بيدهِ على تقذُّرٍ وأوصلهُ إلى الجهةِ الأخرى.
ووصلَ إلى بيتِ عشيقتِهِ وما إنْ قرعَ الجرسَ، حتى
خرجتْ لهُ بحالٍ مزريةٍ ووجهٍ تكسوه التجاعيدُ، فقدَ
نضارتَهُ بزوالِ مساحيقِ التجميلِ عنهُ، وشعرٍ أشعثَ
كالعهن المنفوشِ، وصوتٍ مرهقٍ يناديه هلمَّ غيرَ أنهُ
ولىَّ هارباً ولم يعقبْ، حتى دخلَ إلى البيتِ منكبّاً
على يدي والدهِ يقبلها قائلاً: الآنَ أدركتُ خطئي
الآنَ عرفتُ أنّي كنتُ أبيتُ في مخدعٍ له بابٌ ظاهرهُ
يوهمُ الرَّحمةَ، وباطنهُ فيه العذابُ والخِداعُ.
ويا ليتكَ أيُّها الشّابُ تعلمُ منشأَ هذا السؤالِ
الذي تفوهتَ بهِ.
هل تُراكَ تعرفُ أوَّلَ من نطقَ بهِ، إنَّهُ أحدُ
رجالِ الاستعمارِ الغادر.
العدوِ الذي قدْ رأى مِنْ شبابِ الأمَّةِ خصماً لدوداً
لهُ، وحائلاً دونَ نيلِ مطامعهِ. فدوَّنها له
التّاريخُ، لتكونَ وأمثالكَ من الشَّبابِ على حذرٍ
وإليك نصُّ تلك الجملةِ (كأسٌ وغانيةٌ تعملانِ في
تحطيمِ الأمَّةِ المحمَّديةِ أكثرَ ممّا يفعلهُ ألفُ
مدفعٍ فأغرقوها في حبِّ المادةِ و الشَّهواتِ)().
الشّابُ: كلامٌ عامٌ لم تكتملْ فيهِ الحجَّةُ ولم
تتوفر فيهِ سُبلُ الإقناعِ.
بادلتُهُ الكلامَ: ولكنْ عليكَ بالصَّبرِ أيُّها
الشّابُ فلو كانَ زوالُ همِّكَ يتلخصُ في جوابٍ واحدٍ
لما احتجنا إلى مثلِ هذهِ الرِّحلةِ العظيمةِ والآنَ
هلمَّ بنا إلى السُّؤال الثَّاني.