مشكلات الشباب

ـ: أمّا الحبُّ الصَّادِقُ لرسولِ اللهِ، فنعمْ، أمّا مُجرَّدُ دعوى المحبَّةِ التي ينطلقُ بها اللسانُ ويُعْرِضُ عنها الجِنانُ فلا.

فها هو فُضالَةُ بنُ عُمَيرٍ الليثي يومَ الفتحِ، رأى النَّبيَ يطوفُ بالبيتِ، فحدَّثتْهُ نفسُهُ بقتلِ رسولِ اللهِ بخنجرٍ كانَ معهُ، فلمّا دنا منهُ قالَ: «أفضالةُ أنتَ؟». قالَ: نعم؛ فضالةُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: «ماذا كنتَ تحدِّثُ بهِ نفسكَ»، قالَ: لا شيء، كنتُ أذكرُ اللهَ. فضحكَ رسولُ اللهِ ثُمَّ قالَ: «اسْتَغفِرِ اللهَ»، ثُمَّ وضعَ رسولُ اللهِ يدَهُ على صدرِ فُضالة فسكنَ قلبُهُ، فكانَ يقولُ: واللهِ ما رفعَ يدَهُ عنْ صدري، حتى ما مِنْ خلقِ اللهِ شيءٌ أحبُّ إليّ مِنْهُ.

ولو حللنا قولَ فضالة: ((ما مِنْ خلقِ اللهِ شيءٌ أحبُّ إليّ منهُ)) لوجدناهُ دعوى نحنُ مشاركونَ لهُ فيها، إلاًَّ أنَّّّّّ تتمةَ القصَّةِ: هيَ مفترقُ الطريقِ فيما بيننا.

إذ يقولُ فضالةُ متمماً لقصَّةِ إسلامِهِ، وكاشفاً عنْ ثمرَةِ محبَّتهِ لرسولِ اللهِ: فرجعتُ إلى أهلي، فمررتُ بامرأةٍ كنتُ أتحدَّثُ إليها، فقالتْ: هلمَّ إلى الحديثِ. فقلتُ: لا، ثُمَّ أنشد:

قالتْ هلمَّ إلى الحديثِ فقلتُ              لا يأبى عليكِ اللهُ والإسلامُ

عشيقةٌ كانتْ تسامرُ عشيقَها كلَّ يومٍ، إلا أنَّ هذا العشيقَ؛ لمّا أحبَّ رسولَ اللهِ .. ظهرتُ آثارُ المحبَّةِ جليَّةً في أفعالهِ وأقوالهِ، فاستحكمتْ عليهِ مشاعرَهُ، واسترَقَّتْ مِنهُ جوارِحَهُ، إنَّه لمْ يمهلِ المحبَّةَ أيّاماً ولا شهوراً ليأكلَ بعدَ مُدَّةٍ مِنْ ثمرها، بل إنَّ ما زرعَهُ مِنْ غراسِ المحبَّةِ، طَعِمَ مِنْ حصادِهِ لساعتِهِ، وكأنَّ غراسَ المحبَّةِ ذاتُ سحرٍ عجيبٍ، إذ إنَّ نضوجَها يكونُ سريعاً.

ولو دققنا النَّظرَ بقولُ فضالة لها: ((يأبى عليكِ اللهُ والإسلامُ)) لرأينا كيفَ أنَّ ثمرةَ المحبَّةِ قد استلبَتْ منهُ أهواءَهُ وشهواتِهِ، فكانَ هواهُ تبعاً لما جاءَ بهَ صلى الله عليه وسلم، فقد جاءََ في الحديثِ: «لا يؤمنُ أحدُكم.. حتى يكونَ هواهُ تبعاً لما جئتُ بهِ»().

الشّابُ: تكلَّمتَ عنْ حبِّ المؤمنين للهِ ولرسولهِ صلى الله عليه وسلم، ولكنْ ما حكمُ الحبِّ النّاشئ بينَ الشّابِ والفتاةِ؟

ما حكمُ الحبِّ في الإسلام؟

والذي أكسَبَ الشِّفاهَ حمرتَها، وآتى الخدودَ تورُّدَها، وأودَعَ العيونَ فتنتَها، ولوى الجذعَ على الجذع، وأمالَ الغصنَ على الغصن، وضمَّ التُّرْبَ على البَذْرِ، وكوَّرَ النهارَ على الليلِ، ومازجَ بين الشفَقِ والفجر، وأدار القمرَ على الأرض، وألهمَ البلبلَ أنشودةَ الغرام، وأضفى على الغدير لحنَ الوِصالِ، وأذكى من نسيم الصَّبا لهيبَ الأشواق، وقرَنَ بين الوردة والأزهار، وحنَّنَ الطيورَ إلى الأوكار، وجمَعَ ماءَ الرَّوابي لتصبَّ على الشواطئ والأنهار، وجعل من كلِّ موجودٍ زوجَين إنَّ الإسلامَ لبَراءٌ من مقولة: الحبُّ حرامٌ().

إنَّ أحداً لم يرحَمْ المُتحابِّينَ كما رحِمَهما الإسلامُ، وإنَّ أحداً لم يشفَعْ للمتحابِّينَ كما شفِعَ لهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.  ( يتبع )

كتبه هاني الحلبي