وما هيَ إلا لحظاتٌ، إذا بي أعودُ إلى غرفتي جالساً
على منضدةِ الكتابةِ , والكُرَّاسُ بين يديّ وقلمي
قَدِ امتَطَتْهُ أنامِلي, وتَحَسَّسْتُ وجهي فوجدتُني
الرَّجلَ ابنَ الخامسةِ والعشرينَ, وما إن تنفَّسْتُ
الصُّعداءَ حتى ظهرَ ذلكَ الفتى مُجَدَداً، ليقولَ لي:
اكتبْ, قلتُ: ماذا أكتبُ؟ قالَ: مشاكلي ومشاكلَ كلِّ
الشَّبابِ، قلتُ: لبيكَ. وبدءَ يُمْلي عليَّ الأسئلة
التَّاليةِ:
1 ـ ما العيبُ في كأسٍ رقراقةٍ، وغانيةٍ حسناءَ؟!!
2 ـ ألسْنا أصْحابَ حرِّيةٍ نَحيى بها كيفَ نشاءُ،
ونمضيْ فيها أنَّى نشاءُ؟
3ـ ما هوَ رأيُ العلمِ والطِّبِّ بالنِّسبةِ لتفريغِ
الشّهوةِ بوسائلَ شتى بعيدةٍ عن عقدِ الزَّواجِ؟
4ـ إذا كُنّا نحنُ الشّبابَ في ضياعٍ كما يزعمونَ،
فمَنْ المسؤول عن ضياعنا؟
إذا كنّا نحنُ الشّبابَ نعيشُ في فسادٍ وانحلالٍ كما
يقولونَ فَمَنْ المسؤول عن إفسادنا؟
5ـ كيفَ يوقِعُنا اللهُ في النّارِ، ثمَّ يطالبُنا
بأنْ لا نحترقَ؟
6 ـ لماذا قامَ الإسلامُ بكبتِ شهواتنا وإلجامِ
حرّياتنا؟
7 ـ كيفَ تدَّعون أنَّ الدينَ تسامَى بالغريزةِ
الجنسيَّةِ إلى حدِّ الاعتدالِ؟
8 ـ لمَ لا تعترفونَ أنَّ في تعويدِ الشّابِ على
الاختلاطِ منذُ الصِّغرِ تهذيبٌ للغريزةِ؟
9ـ لمَ لا تُقِرُّونَ بوجودِ الصَّداقةِ البريئةِ بين
الشَّابِ والفتاةِ؟
10ـ هل منْ وسائلَ علميةٍ وطبّيَّةٍ لتقليلِ الشّهوةِ
المستعرةِ بينَ ضلوعِنا؟!!
11ـ هل للفضيلةِ وجودٌ في عصرنا؟!!!
12ـ ثُمَّ إنْ وجِدَتْ فأنَّى لشبابِ اليومِ أنْ
يتفيّأ ظِلالها؟
13ـ هل يعقلُ أنَّ أحداً دُعيَ لما دُعينا إليهِ،
فقالَ: إنّي أخافُ اللهَ؟
14ـ لماذا لمْ ينظرِ الإسلامُ للمراهقِ نظرةً خاصَّةً،
فيغضُّ الطّرفَ عن بعضِ هفواتهِ؟ وكيف كانَ تعاملُ
رسولُ الإسلامِ مع المراهقينَ؟
15 ـ ما حكمُ الحبِّ في الإسلامِ؟
16 ـ لماذا لم يضعِ الإسلامُ حلولاً تُذلِّلُ أمامَ
الشّبابِ صعوباتِ الزَّواجِ؟
وما لبثَ أنِ انصرفَ، وهوَ يقولُ بصوتٍ خافتٍ: أجبْ عن
هذه التساؤلاتِ من أجلِ شبابِ الأمَّةِ، رُدَّ عليها
بأمانةٍ ودقةٍ منْ أجلِ بنيكَ، حُلَّ عُقَدَها ببساطةٍ
واختصارٍ فإنَّ روحَ الشّبابِ تأنفُ الإطالةَ
والإملالَ، أَجبْ عنها بأحاسيسِ الشَّبابِ ومشاعرهمْ.
خاطبتُهُ وكلّي أسىً: أهي لحظةُ الفراقِ؟! قالَ
الشّابُ: بل هي لحظةُ التَّواصلِ الحقيقي واللِّقاءِ,
لأنني سأغدو رفيقكَ في رحلةِ هذا الكتابِ، سأستوقفكَ
عندَ كلِّ سؤالٍ أو استفهامٍ, بل سأحاوركَ عندَ كل
مشكلٍ موهمٍٍ، فتبسَّمتُ ضاحكاً: إذاً هي الصُّحبةُ؟
فأومأ إليَّ إنَّها الصُّحبةُ.
ما العيبُ في كأسٍ رقراقةٍ وفاتنةٍ حسناء
الشّابُ: ما أجملَ الخمرةََ وما أروعَ الفتاةَ
الحسناءَ، مجتمعتينِ عندَ الفتى لا يمنعُهُ منهما
رقيبٌ، ولا يقصيهِ عنهُما حجابٌ!!. أجبتُهُ: ربما كان
لهُ ذلكَ لولا أنَّ الخمرةَ تطيرُ بلبِّهِ، حتى يفقدَ
أعزَّ ما يُمَيَّزُ به عن البهائمِ، ألا وهو عقلُهُ،
فأنتَ ترى شاربَ الخمرِ يسرقُ ويقتلُ، يتقيّأ على
ثيابِهِ وربما بالَ على نفسِهِ.
ارتبكَ الشّابُ قليلاً وتنحنحَ ليتابعَ:
ما أروعَ صحبةَ الفتاةِ الحسناء!ِ.
قلتُ: ربما كانَ لكَ ذلكَ لولا أنّها تأخذُ بلبِّ
الحازمِ فتلقيِه صريعاً لا يستطيعُ حراكاً. قالَ جرير: