الشّابُ: على أنَّه فتىً أرعنٌ طائشٌ فاسدٌ مفسدٌ، لا
يعلمُ الشَّيءَ الذي يصلحهُ منَ الأشياءِ التي
تفسدُهُ، وينظرون إليه على أنَّه إنسانٌ مضطربُ
المزاجِ قليلُ الاتزانِ لا يفكر إلا بالعملِ الذي
يمارسُه، دونَ تدبُّرٍ للعواقبِ أو للضررِ المترتبِ
عليهِ.
قلتُ: أمّا الإسلامُ فلمْ يرضَ للشّابِ أنْ يكونَ
أرعنَ طائشاً فاسداً مفسداً، لا يعلمُ الشَّيءَ الذي
يصلحُهُ مِنَ الأشياءِ التي تفسدُهُ... إلخ، بل أرادَ
مِنَ الشّابِ أنْ يكونَ إنساناً متزناً يُقَدِرُ قبلَ
المسيِر لرِجلهِ موضِعاً، عالماً بعواقبِ الأمورِ
متبوئاً للمراكزِ المرموقةِ، فأسامةُ بنُ زيدٍ كانَ
قائداً لجيشِ المسلمينَ وهوَ ابنُ السّابعةِ عشرةَ
مِنَ العُمرِ، فقدْ ندبَ النَّبيُ النّاسَ لغزوا
الرّومِ، فتصدرَ لتلكَ المعركةِ ثلاثةُ آلافٍ مِنْ
خيارِ المسلمينَ فيهم كبارُ المهاجرينَ والأنصارِ،
فأمَّر عليم صلى الله عليه وسلم أسامةَ بنَ زيدٍ. فعنِ
ابنِ عُمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: بعثَ النَّبيُ صلى
الله عليه وسلم بَعْثا،ً وأمَّرَ عليهمْ أسامةَ بنَ
زيدٍ، فطعنَ بعضُ النّاسِ في إمارتهِ، فقالَ: النَّبيُ
صلى الله عليه وسلم: ((إنْ تطعنوا في إمارته،ِ فقدْ
كنتمْ تطعنونَ في إمارةِ أبيهِ مِنْ قبل،ُ وايمُ اللهِ
إنْ كانَ لخليقاً للإمارةِ وإنْ كانَ لَمِنْ أحبِّ
النّاسِ إليَّ، وإنَّ هذا لَمِنْ أحبِّ النّاسِ إليَّ
بعدهُ)) .
وهل تعلمُ أنَّ مَنْ أراحَ الأمَّةَ مِنْ شرِّ أبي
جهلٍِ العدوِ اللدودِ لرسولِ الله، إنَّما هما شابانِ
لم يتجاوزا مِنَ العمرِ السّادسةَ عشرةَ سنةً، عن عبدِ
الرحمنِ بنِ عوفٍ قال: بينا أنا واقفٌ في الصَّفِ يومَ
بدرٍ فنَظرتُ عنْ يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامينِ
مِنَ الأنصارِ حديثةٍ أسنامُهُما، تمنيتُ أنْ أكونَ
بينَ أضلعِ منهما، فغمزني أحدُهُما فقال: يا عمّ: هل
تعرفُ أبا جهلٍ؟ قلتُ نعمْ ما حاجتُكَ إليهِ يا ابنَ
أخيْ؟!! قال: أُخبِرتُ أنَّهُ يَسُبُ رسولَ اللهِ، ـ
والذي نفسي بيده ـ لئنْ رأيتُهُ، لا يفارِقُ، سوادي
سوادَهُ حتى يموتَ الأعجلُ منّا. فتعجَّبتُ مِنْ
ذلكَ!! فغمزني الآخرُ فقالَ لي: مثلها فلمْ أنشبْ أنْ
نظرتُ إلى أبي جهلٍ يجولُ في النّاسِ، قلتُ: ألا إنَّ
هذا صاحِبَكُما الذي سألتُمانِي، فابتدراهُ بسيفيهِما
فضرباه حتى قتلاهُ، ثُمَّ انصرفا إلى رسولِ اللهِ
فأخبراهُ فقال: أيُّكُما قتلَه؟ قالَ كلُّ واحدٍ
منهُما: أنا قتلتُهُ. فقالَ: هل مسحتُما سيفِكُما؟
قالا: لا. فنظرَ في السيفينِ فقالَ: كلاكُما قتَلَهُ))
.
الشّابُ: ولكنَّ هؤلاءِ الأبطالَ قد رأوا رسولَ اللهِ
ونحنُ لم نرَهُ؟
ـ: هذا سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التَّستريِ، ـ توفيَّ سنة
ثلاثٍ وثمانينَ
ومئتينِ، فهو لم يرَ رسولَ اللهِ، بل ولم يرَ
الصَّحابةَ ولم ير التّابعينَ لهمْ ـ يتحدَّثُ عنْ
نفسهِ عندما كانَ في الثّالثةِ مِنْ عمرهِ، فقالَ:
كنتُ ابنَ ثلاثِ سنينَ وكنتُ أقومُ من الليلِ أنظرُ
إلى صلاةِ خالي محمَّدِ بنِ سوّارٍ، وكانَ يقومُ
بالليلِ، فربما كانَ يقولُ لي يا سهلُ: اذهبْ فنَمْ
فقدْ شغلتَ قلبي. قالَ لي خالي يوماً: ألا تذكرُ اللهَ
الذي خلقكَ! فقلتُ: كيفَ أذكرهُ؟ فقالَ لي: قلْ
بقلبِكَ عندَ تقلبِكَ في ثيابِكِ ثلاثَ مرَّاتٍ، مِنْ
غيرِ أنْ تحرِّكَ بهِ لسانَكَ: اللهُ معيْ، اللهُ
ناظرٌ إليَّ، اللهُ شاهدٌ عليَّ. فقلتُ ذلكَ ثلاثَ
لياليٍ... ثُمَّ قالَ لي خالي يوماً: يا سهلُ: مَنْ
كانَ اللهُ معَهُ، وهوَ ناظِرٌ إليهِ، وشاهِده،
أيعصيه؟ إيّاكَ والمعصيةَ().
الشّابُ: ولكنْ بأيِّ شيءٍ أصبحَ لأولئكَ الأشبالِ
عقولُ الرِّجالِ ومنازلُ الأبطالِ وحياةُ الشَّرفِ
والرِّفعةِ والكرامة ِ؟
( يتبع )
كتبه هاني الحلبي