ـ: نعم إنَّ للفضيلةِ وجودٌ في عصرِنا حيثُ إنَّ
وجودَها مُرتبِطٌ بالقيامِ بأوامرِ اللهِ والابتعادِ
عنْ نواهيهِ، وقدْ قالَ صلى الله عليه وسلم: ((لايزالُ
مِنْ أمَّتي أمَّةٌ قائمةٌ بأمرِ اللهِ مايضرّهُمْ
مَنْ كذَّبَهمْ ولا مَنْ خالفَهُمْ حتى يأتيَ أمرُ
اللهِ وهمْ على ذلكَ)) .
ولتَستَمِعْ إلى هذهِ القصَّةِ: طالبةٌ في المرحَلَةِ
الجامعيَّةِِ، شقراءُ الشَّعرِ بيضاءُ الوجهِ كأنَّ
أشعةَ الشَّمسِ قد نسجتْ خيوطَها مِنْ شعرِها، والقمرُ
قد طلعَ مِنْ مطلعهِ غير أنَّه غيَّر وجهتَهُ ليحُطَّ
على وجهِها بعدَ أنِ استحالَ بدراً وهربَ عنْ أفقِ
السَّماءِ، وأمّا ثغرُها فكان برّاقَ الثنايا عذبَ
المنطِقِ، كالصَّدفةِ المتفتِحةِ عنْ بياضِ اللؤلؤِ
والجُمانِ،أمّا...
الشّابُ: يا هذا: كدتَ أنْ ترديني أوشكتَ أنْ تفتنني،
مالي ولوصفها هي قُصَّ عليَّ الخبرَ، أنسيتَ أنّي عزبٌ
أنسيتَ أنَّ بنداً مِنْ بنودِ العفَّةِ شرطهُ:
(الابتعادُ عنِ المُثيراتِ الجِنسيَّةِ)
قلتُ: كانتْ هذهِ الطّالبةُ على طريقِ العودةِ مِنَ
الكليةِ إلى بيتها القريبِ من الغوطةِ، عندما داهمتها
أمطار ممزوجةٌ بالبَرَدِ وبدأ البَرَدُ يشتدُ شيئاً
فشيئاً، حتى غدت حبَّاتُه تضرب الرّؤوس كالصَّغير مِنَ
الأحجارِ.
الشّاب: وهل كانتِ الفتاةُ تركبُ الحافلةَ أمْ تمشي
سيراً على الأقدامِ ؟
ـ: بلْ إنَّها كانتْ تسيُر على قدميها، وبدأتْ تبحثُ
عن ملجىءٍ تأوي إليهِ فلمْ تجدْ أمامَها إلا كوخاً
صغيراً، وكأنَّ حجارةَ تلكَ الكوخِ تروي حكايةَ فقرِ
صاحبِها!! طرقتِ البابَ مرتين مرةً بيدها اللينة،
وأخرى بخفقاتِ قلبِها الخائفةِ الوجِلةِ، فهيَ على
غيرِ درايةٍ بسُكانِ هذهِ الدّارِ أمِنْ أهلِ الخيرِ
والإحسانِ هُمْ أمْ...، ولنستَمِعْ إليها وهي تروي لنا
هذهِ القِصَّةَ.
قالتْ: ففتحَ ليَ البابَ شابٌ قدْ رأيتُهُ في
الكليَّةِ مراراً، غيرَ أنَّهُ مجهولُ الهوية
بالنِّسبةِ لي، فأذِنَ لي بالدُّخولِ بعبارةٍ قدْ
شابها شيءٌ مِنَ الارتباكِ، دخلتُ الدّارَ على وجلٍ
شديدٍ ولمّا أغلقَ البابَ أنبأني أنَّه يسكُنُ وحدَهُ،
ولكنَّهُ طمأنني أنَّه سيجلِسُ هوَ في غرفةِ الجلوسِ،
بينما أجلسُ أنا في الغرفةِ الأخرى، وأحضرَ لي مدفأةً
كهربائيةً وطلبَ منّي أنْْ أستريحَ قليلاً لأنَّ
التَّعبَ والبرْدَ كانا ظاهرينِ عليَّ، وما هي إلا
لحظات حتى تملَّكني النُّعاسُ، فنمتُ دونَ أنْ أشعرَ
بما يدورُ حولي إلى أنْ استيقظتُ في وقتٍ متأخرٍ مِنَ
الليلِ على نباحِ الكلابِ، نظرتُ حولي لأرى بابَ
الغُرفَةِ مفتوحاً والبردُ شديدٌ، إذ كانَ المنزلُ
مِنَ المنازِلِ العربيَّةِ القديمةِ، تفقدتُ المدفأةَ
فلمْ أعثرْ عليها، فعلمتُ أنَّ الشّابَ الغريبَ دخلَ
عليَّ الغرفةَ وأنا غارقةٌ في سباتٍ عميقٍ.
هُنا تيقظَ منّي العقلُ لأشعرَ بفداحَةِ الغلطِ الذي
ارتكبتُهُ، وذلكَ أنّي دخلتُ داراً ليسَ فيها سوى رجلٍ
واحدٍ يختلي بي وأختلي بهِ.
قاطعني الشّابُ وهو يهمهم بصوت خافت: الوغدُ الوغدُ
ماذا تُراهُ فعلَ بِتلكَ الحسناءِ البريئةِ؟!
قلتُ لهُ: ويحكَ أيُّها الشَّهمُ لا تقاطعني واستمعْ
للفتاةِ وهي تملي علينا بقيةَ قصَّتِها.
قالتْ: ثُمَّ خرجتُ هائمةً على وجهي صوبَ بابِ
الدّارِ، فرأيتُ صاحِبها ممدداً على الأرضِ دونَ
حراكٍ، غادرتُ المنزلَ مرعوبةً مذعورةً وصلتُ البيتَ،
ليستقبلني والدي وقدِ انطبعتْ على وجههِ علاماتِ
القلقِ، أخبرتُهُ بالقِصَّة كاملةً بعدْ أنْ أكدتُ له
أنَّني لا أدري ماذا حدثَ لي حينما قضى عليَّ
النَّومُ، فطلبَ منّي أنْ أدلهُ على تلكَ الدّار،
ففعلتُ وما إنْ أرسلتِ الشَّمسُ خيوطَها الأولى، حتى
غادر أبي المنزلَ متوجهاً صوبَ تلكَ الدّارِ، ولمّا
بلغها قرعَ الجرسَ، فخرج له شابٌ لا يمتلكُ نفسَ
الصِّفاتِ التي أطلعتُ والدي عليها، حاولَ والدي
السَّيطرةَ على نفسِهِ، وسألَ الشّابَ الآخرَ، هل
تسكُنُ الدّار وحدَكَ؟
أجابَهُ: لا إنَّ معيَ زميلاً لي في الكلّية.
أبي: إذاً هي نفسُ الدّارِ التي قصدتُ، فكيفَ حالُ
صديقكَ فإنَّما أنا زميلٌ لوالدهِ جئتُ لأسألهُ عنْ
صحَّةِ الوالدِ؟
الشّابُ: أوه إنّي دخلتُ أمسِ الدّارَ وكانَ بابُ
الدّارِ مفتوحاً، فوجدتُ صديقي مغمىً عليه والجيرانُ
مجتمِعينَ حولهُ لا يدرونَ عن أمرهِ شيئاً.
سألهُ أبي: وأينَ هو الآنَ؟
الشّابُ: في المشفى وإنِّي ذاهبٌ لزيارَتِهِ الآنَ،
فهلْ لكَ أنْ تأتيَ معيَ يا عماهُ؟
قالَ أبي: بالتأكيدِ. ثُمَّ تابعتِ الفتاةُ روايةَ
القصَّةِ: ولمّا وصلَ أبي المشفى، وجدَهُ ممدداً على
السَّريرِ بيدينِ مضمدتينِ، فأوهمَهُ والدي أنَّ
هنالكَ صلةً قديمةً تجمعُهُ مع والدِ ذلكَ الشّابِ،
وأنَّه أتاه مستعلماً عنْ صحةِ والدهِ ثمَّ سألهُ
لماذا أنتَ هاهنا في المشفى؟
أجابَهُ الشّابُ: في عينينِ قد اغرورقتا بالدُّموعِ،
إنَّ لهذا الأمرِ خبراً لا أحبُّ أنْ يطَّلِعَ عليه
أحدٌ، فلمّا أصرَّ عليهِ أبي ووعدهُ أنْ يكونَ الخبرُ
سراً مُغَلَّقَةٌ عليه الأبوابُ.
هنا وضع الشّابُ رأسَهُ على صدرِ والدي ظاناً أنَّ هذا
الصَّدر هوَ الملجأ الآمنُ للترويحِ عمّا تستأثرُ بهِ
النُّفوسُ، وفي هذهِ الأثناءِ كانَ والدي يكظمُ غيظَهُ
وينتظرُ فراغَ الشّابِ مِنْ سردِ قصَّتهِ لينقضَّ
عليهِ انقضاضَ النَّسرِ على فريستِهِ.
الشّاب: بينما كنتُ جالساً الليلةَ الماضيةَ، إذا
بفتاةٍ تلتجئ إلى داري هروباً منَ المطرِ الغزيرِ،
أدخلتُها إلى الغرفةِ الدّاخليةِ ووضعتُ أمامَها
المدفأةَ الصَّغيرةَ الوحيدةَ في البيتِ، وأعلمتُها
أنّي سآتي لأخذِها عندما تدفأ الغُرفةُ، ثُمَّ غبتُ
ساعةً قضيتُها في الغرفةِ الخارجيةِ الشَّديدِ بردُها،
ولمّا ضقتُ عنْ تحمُّلِ البردِ وظننتُ أنَّ غرفتَها
أصبحتْ دافئةً، قرعتُ عليها البابَ وأخبرتُها أنّي
داخلٌ لأخذِ المدفأةِ، ولمّا فتحتُ البابَ وليتني لمْ
أفتحهُ ـ ثُمَّ خنقتِ الشّابَ العبرةُ!
فقالَ لهُ أبي: ويحكَ ثُمَّ ماذا فعلتَ؟
الشّابُ: وجدتُ الفتاةَ نائمةً نومةَ الأميراتِ، فحصلَ
الأمرُ خارجاً عن إرادتي، هنا كادَ والدي أنْ يتفجرَ
غيظاً وغضباً، بينما الشّاب يتابعُ حديثَهُ: نعمْ يا
عماهُ: في هذهِ اللحظَةِ زيَّنَ لي إبليسُ اللعينُ
جمالَها، وراودتني نفسي عنْ حُسنِها، فحاولتُ أنْ
أُخَوِفَها بالفضيحةِ والمُصيبةِ التي ربما ترتبتْ على
هذا الأمرِ، ولكنْ دونَ طائلٍ، فهرعتُ إلى المدفأةِ
لأضعَ يديَّ على لهيبِها كلَّما همتْ نفسي بأمرِ سوءٍ،
وأخاطِبُها: يا نفس: إنَّكِ لا تستطيعينَ الصَّبرَ على
نارِ الدُّنيا، فكيفَ بِكِ بنارِ الآخرةِ إلى أنْ
وجدتُني ههنا في المشفى، دونَ أنْ أعرفَ شيئاً عن
أخبارِ تلكَ المسكينةِ.
في هذهِ اللحظةِ هبَّ والدي مِنْ مقعدهِ، ليعانقَ
الشّابَ وليضمَّهُ إليهِ، وكأنَّه أحدُ أولادِهِ وصاحَ
بأعلى صوتِهِ: اشهدوا أنّي قد زوجتُهُ ابنتي اشهدوا
أنّي قد زوجتهُ ابنتي .
الشّابُ: والله لقدْ ظننتُهُ ما نجا منها ولم تنجُ
مِنْهُ، ولكنْ بأيِّ شيءٍ نجا ؟
ـ: إنَّها الفضيلَةُ التي فُطِرَ عليها جميع البشرِ،
ولكنْ لمْ يحافظْ عليها إلا قِلَّةٌ مِنْ عِبادِ اللهِ
الصَّالحينَ.
الشّابُ: وكيفَ أعرفُ إنْ كنتُ صاحبَ فضيلةٍ أمْ لا؟
هل أُدخل داري ـ إذا غاب أهلي ـ حسناءَ ثّمَ أدعُها
لغرفة النَّومِ؟
( يتبع )
كتبه هاني الحلبي