مشكلات الشباب

قلتُ للشّابِ: لنْ يجيبَكَ مثلي عن هذا السُّؤالِ، إنَّ الَّذي سيجيبُكَ إنَّما هو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقد جاءَ في الحديثِ عنْ أبي موسى رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّما مَثَلُ الجليسِ الصّالحِ والجليسِ السّوءِ، كحامِلِ المِسكِ ونافِخِ الكيرِ، فحامِلُ المِسكِ إمّا أنْ يُحذِيكَ وإمّا أنْ تبتاعَ مِنهُ وإمّا أنْ تجِدَ منهُ ريحاً طيّبةً، ونافِخُ الكيّرِ إمَا أنْ يحرِقَ ثيابَكَ وإمّا أنْ تجِدَ مِنهُ ريحاً خبيثةً )) .

الشّابُ صدقَ رسولُ اللهِ فكَمْ مِنْ مرَّةٍ كِدتُ أنْ أنجرِفَ مع تيارِ الفسادِ، بسببِ رفقَةِ السّوءِ ولولا أنَّ اللهَ قد حفظني بعِنايَتِهِ لكُنتُ مِنَ الهالكينَ.

قلتُ: أعرِفُ كثيراً مِنَ الشَّبابِ مِمَّنْ أدمنوا على الخمرِ والمخدِراتِ، ولمّا زهقتْ منهُمُ النَّفسُ وتردتْ حالتُهمْ الصِّحيَّةُ، بدؤوا يبحثونَ عنِ الخلاصِ مِمّا هُمْ فيهِ، وكلّما ذهبَ أحدُهُمْ إلى طبيبٍ نصحَهُ بتركِ رفقَةِ السّوءِ، حتى إنَّ أحدَ الأطبَّاءِ قالَ لي: إنَّ أجدى علاجٍ للمُدمِنِ إنَّما هو إخراجُهُ مِنَ البيئةِ الفاسدَةِ، التي كانَ يعايشها إلى الرِّفقَةِ الصّالِحَةِ التي يسمو بها مِنْ كهوفِ الفجورِ إلى منابِعِ النُّورِ.

وأمّا البندُ الأخيرُ من البنود المساعدةِ على العفَّةِ فهو: تجنُّبِ الاختلاطِ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ .

الشّابُ: وهلْ يستطيعُ شبابُ وفتياتُ هذا العصرِ تجنُّبَ الاختلاطِ، الذي غدا ضرورةً مِنْ ضروراتِ العصرِ، وعلى الصُعُدِ كافَّةً مِنْ غيرِ استثناءٍ؟!

ـ: إنْ لمْ يستطعِ الشبابُ والفتياتُ تجنُّبَ الاختلاطِ الَّذي ابتُليتْ بِهِ الأُمَّةُ، فلا أقلَّ مِنْ استحضارِ رقابَةِ اللهِ، والتزامِ تقواهُ سبحانَهُ وتعالى، فالطّالبُ والطّالبةُ اللذانِ ابتليا بجلوسِ كلِّ واحِدٍ مِنْهُما أمامَ الآخرِ على مقاعِدِ الدِّراسَةِ، فإنْ لم يكونا مستحضرينِ لرقابَةِ اللهِ تعالى، وملتزمينِ لتقواهُ، تراهُما يتسارقانِ النَّظراتِ ويتبادلانِ الكلماتِ، ويسيرانِِ في الطُّرُقاتِ... وأمّا إنْ وجِدَتِ التَّقوى والرَّقابَةُ، ترى كلَّ واحدٍ مِنهُما غاضَّ الطَّرفِ عنِ الآخرِ، مترفعَ الكلِمِ عنْ سفاسِفِ الأمورِ، هوَ مُحتَشِمٌ في نظرَتِهِ متأدِّبٌ بكلِمَتِهِ معتدِلٌ بحركاتِهِ وسكناتِهِ، وهي محتَشِمَةٌ في لبُسِها خلوقَةٌ في مِشيَتِها حييَّةٌ في منْطِقِها.

الشّابُ: وهلْ وردَ شيءٌ في الشَّرعِ يُحَذِرُ مِنْ مغبَّةِ الاختلاطِ ؟

ـ إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قدْ حذَّرَ أمّتَهُ مغبَّةَ الاختلاطِ فقال: ((ما مِن صباحٍ إلاّ وملَكانِ يُنادِيانِ: ويلٌ للرِّجالِ مِنَ النِّساءِ، وويلٌ للنِّساءِ مِنَ الرِّجالِ))().

الشّابُ: و هلْ مِنْ حِكْمَةٍ كامِنَةٍ وراءَ تحريمِ الاختلاطِ، أمْ هو أمرٌ تعبديٌّ ؟

ـ : بلى إنّها الحكمةُ التي لا تخفى على كلِّ متأملٍ عاقلٍ.

إنَّ أوَّلَ مَنْ دعا إلى الاختلاطِ واتخذَهُ منهجاً لَهُ، إنَّما هُمْ الغَرْبُ، ثُمَّ أتينا نحنُ لنأخُذَ منهُمْ تجارِبَهُمْ وكأنَّها حقائقُ عِلميَّةٌ ثابِتَةٌ، مِثَلَ الجِّهازِ اللاقِطِ الذي يَلتَقِطُ الإشاراتِ دونَ تحليلٍ لها أو تصنيفٍ، غيرَ أنَّ الغربَ تيقظَ مِنْ أحلامِهِ وأوهامِهِ وقدِ استحالتْ كوابيسَ مرعبةً، ولكنَّ المؤسِفَ أننا نحنُ المسلمينَ مازِلنا في سُباتٍ عميقٍ تحتَ دِثارِ الأوهامِ نتَخَبَطُ خَبطَ عشواءٍ، دونَ أنْ نَعرِفَ المكرَ الذي يُمكَرُ بِنا، ولا الشَّرَّ الَّذي قدْ حيكَ لنا.

الشّابُ: قُلتَ إنَّ شعوبَ الغربَ قد صحوا مِنْ كبوَتِهِمْ ، فما هو الباعِثُ لهمْ على هذِهِ الصَّحوةِ، وكيفَ ترجموها على ساحَةِ الواقِع ؟

ـ: إنَّ الغربَ الذين ارتكزنا على تجارِبِهمْ في إقحامِ المرأةِ معَ الرَّجُلِ في كلِّ الميادينِ، قدْ صحوا أخيراً مِنْ هذِهِ التَّجرِبَةِ العَقيمَةِ إذ وردَ في كتابِ الدَّكتورِ محمد عليِّ الهاشميِّ (( شخصيَّةُ المرأةِ المُسلِمَة ِ)): لمّا أوفَدَتْ وزارَةُ التَّربيَةِ السُّوريَّةِ الأستاذَ أحمدَ مظهرَ العظمَةِ إلى مدارِسِ بلجيكا، في رِحلَةٍ علميَّةٍ سألَ إحدى مديراتِ المدارِسِ الابتدائيَّةِ: لماذا لا تخلطونَ البنينَ معَ البناتِ في هذِهِ المَرحَلَةِ؟

فأجابَتْهُ قدْ لمسنا أضرارَ اختلاطِ الأطفالِ حتى في سنِّ المرحلَةِ الابتدائيةِ. وقدْ أذاعتْ قناةُ الجزيرَةِ يومَ 22/10/2002 أنَّ الرئيسَ الأمرِيكيَّ بوشْ أصدرَ قرارَ فصلِ البنينَ عنِ البناتِ في مرحلتي الإعداديِّ والثَّانويِّ، إذ أثبتَتِ الدِّراساتُ جدوى مثلِ هذا الفصلِ .

الشّابُ: إذاً هو نكاحٌ أو استعفافٌ بغضٍّ للبصَرِ، وصومٍ، و ابتعادٍ عنِ المثيراتِ الجِنسيةِ، و تجنُبٍ للاختلاطِ ، واستبدالٌ لرِفقَةِ السّوء ِبأخوةِ الخيرِ والصَّلاحِ ، هكذا تسامى الدّينُ بالغريزَةِ الجِنسيَّةِ إلى حدِّ الاعتدالِ، دونَ كبتٍ لشهواتِنا أو إلجامٍ لمشاعِرِنا.

ـ: هذا صحيحٌ وأزيدُكَ، إنَّ مِنْ أهمِّ الأمورِ المساعدَةِ على سلوكِ مناهجِ العِفَّةِ، هو المسجدُ الّذي تجلِسُ فيهِ أمامَ عالمٍ جليلٍ، تنهلُ مِنْ علمِهِ وتنتفِعُ بفوائدِهِ، فإنَّ من الَّذين يظلُهُمُ اللهُ في ظلِّهِ يوم لا ظلِّ إلاَّ ظلُّهُ: (( رجلٌ قلبُهُ معلَّقٌ في المساجد ِ)).

الشّابُ: ألا يكونُ في تعويدِ الشَّبابِ على الاختلاطِ مِنذُ الصِّغَرِ تهذيبٌ للغريزَةِ؟

ـ: إنَّما هو الإثارَةُ لها والجُنوحُ بها عن سُنَنِ الاستِقامَةِ، والعُدولُ بها عن نَّهجِ السَّلامَةِ، إنَّ مِثلَ هذا الادِّعاءِ تُكَذِّبُهُ الفِطرَةُ السَّليمَةُ، التي تأبى إذا ما اجتمعَ رجلٌ وامرأةٌ إلا أنْ تميلَ بكلِ واحدٍ مِنهُما صَوبَ الآخرِ. ويُكَذِّبُهُ الفَشَلُ الذَّريعُ الذي لَزِمَ أصحابَ هذِهِ الدَّعوةِ الزَّائفةِ، حيثُ إنَّ هذا الاختلاطَ قدْ أثمرَ وَوَلِدَ لهُمْ، غيرَ أنَّه لم يُثْمِرْ تهذيباً للغَريزَةِ ولمْ يلدْ خَصلَةً مِنْ خِصالِ الفَضيلَةِ، إنَّما أثمَرَ حُبالى مِنْ تلميذاتِ الثّانويَّاتِ الأمريكيةِ، وقدْ بلغَتْ نِسبَةُ هذِهِ الثَّمَرَةِ في إحدى الولاياتِ 48/100 وَوُلِدَ 120 ألفُ طفلٍ أنجبتهُمْ فتياتٌ لا تزيدُ أعمارُهُنَّ على: 20 عاماً بصورةٍ غيرِ شرعيةٍ، معظَمُهُنَّ مِنْ طلابِ الجامعاتِ!!

وهذِهِ جريدَةُ الأحدِ اللبنانيةِ رقم:650 قدْ نقلتْ منذُ زمَنٍ قديمٍ ـ قبلً خمسٍ وعشرينَ سنةٍ تقريباً ـ بعضَ الفضائحِ الجِنسيةِ في الجامعاتِ والكلّياتِ الأمريكيةِ: (( الفضائحُ الجنسيةُ في الجامعاتِ والكلّياتِ الأمريكيةِ بينَ الطُلابِ والطالِباتِ، تَتَجَدَدُ وتزدادُ كلَّ عامٍ ))، ((هجومٌ ليليٌ مِنَ الطُّلابِ على غُرَفِ نومِ الطّالباتِ، وسَرِقَةِ ثيابِهِنَّ الدّاخليةِ، وقالَ عميدُ الجامعَةِ معقباً على هذا الحدَثِ: إنَّ مُعظَمَ الطُلابِ والطّالباتِ يعانونَ جوعاً جنسياً رهيباً، ولاشَكَّ أنَّ الحياةَ العصريَّةَ الرّاهنةَ لها أكبرُ الأثرِ في تصرفاتِ الطُّلابِ الشّاذَةِ!!!.)).

وأخيراً: إنَّ مِثلَ هذا الادعاءِ تُكَذِّبُهُ الحياةُ الزَّوجيةُ، فلتسألِ الزَّوجينِ اللذينِ هُما في اختلاطٍ دائمٍ ولأبعَدِ الحُدودِ، اسألهُما هَلْ لِمِثلِ هذا الاختلاطِ مِنْ أثرٍ لتهذيبِ الغريزَةِ الجِنسيةِ فيما بينَهُما.

إنَّ الحياةِ الجنسيةَ بينَ الزَّوجينِ السَّليمينِ، لا يُصيبُها أفولٌ ولوِ امتدَّ بها الزَّمَنُ عشراتِ السِّنينَ، وإلا لَما وسِعَهُما بَعْدَ الضَّمَةِ والقُبْلَةِ إلاَّ الفِراقُ والوحشةُ.

الشّابُ: الآنَ أدركتُ الخُبثَ الذيِ تنطويِ عليهِ مثلُ هذهِ العبارةِ، ولكنْ لديَّ سؤالٌ قدْ وجدتُ في كلامكَ شيئاً مِنَ الجوابِ عليهِ، غيرَ أنني مازِلتُ في لَبْسٍ منهُ.

قلتُ: هاتِ ما عندكَ ستجدني إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابرينَ.

الشّابُ:

أينَ المشْكِلَةُ في الصَّداقَةِ البريئَةِ بينَ الشَّابِ والفتاةِ ؟  ( يتبع )

كتبه هاني الحلبي