الشّابُ: وما دورُ الرِّفقَةِ أو الأُخوَّةِ
الصّالِحَةِ ـ التي حدثتني عنها ـ في استِحضارِ
العِفَّةِ، التي تتسامى بالغريزَةِ؟
ـ: إنَّ الأخوَّةَ أبداً هي انتِشارٌ للمحاسِنِ
واجتماعٌ للمنافِعِ ودرءٌ للمفاتِنِ، فهي أخذٌ ورَدٌ
عطاءٌ ومنحٌ، ألمْ تتلو قولَهُ تعالى على لسانِ موسى
عليهِ السَّلامُ عندَما سألَ اللهَ تعالى أنْ يجعَلَ
لَهُ وزيراً مِنْ أهلِهِ يعينُهُ على نشرِ الدعوَةِ
ويحتمِلُ معَهُ مشاقَّ التبليغِ ويأخذُ مِنهُ التأييدَ
والتثبيت َـ فقالَ: (وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ
أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)
الشّابُ: ما سألتُكَ عنِ الأخِ مِنْ أجلِ الدَّعوةِ
إلى اللهِ إنَّما سألتُكَ عن دورهِ في الإعانَةِ على
التَعَفُفِ؟!
ـ: إنَّ الأخَ الصّالحَ يأخذُ بيدِكَ مِنَ الدِّفاعِ
إلى الهجومِ، فإنَّ طلَبَ العِفَّةِ هي مرحلَةٌ مِنْ
مراحلِ الدِّفاعِ عَنْ نفسِكَ، دونَ أنْ تهويَّ بكَ في
حمأةِ الرَّذيلةِ، بينما الأخُ الصّالِحُ هو رِفعَةٌ
لقدرِكَ وأخذٌ بيدِكَ إلى مواقِعِ الهجومِ.
الشّابُ : وما قصدُكَ بالهجوم
ِ؟!!
ـ: إنمَّا هو الدَّعوةُ إلى اللهِ بالحِكْمَةِ
والموعِظَةِ الحسَنَةِ، وكأنَّ حالَ الأخِ الصّالحِ
يقولُ لكَ: دعكَ الآنَ مِنَ الجِنْسِ ومشاكِلِهِ،
واصرِفْ ذِهنَكَ عنهُ في حاضِرِكَ ريثما تتهيأ لكَ
أمورُ الزَّواجِ، وانتقلْ معي إلى الأهمِّ آلا وهو
الدَّعوةُ إلى اللهِ، فإنَّ سلطانَ الدَّعوةِ إلى
اللهِ إذا ما استَحكَمَ في نفسِ المؤمِنِ انزوى عنها
كلُّ همٍ وغمٍ وطارَ منها كلُّ نقصٍ وجهلٍ. ثمَّ سكتُّ
على رجاءِ الاكتفاءِ بهذا القَدرِ.
الشّابُ : هلاَّ تابعتَ حديثَكَ عن موسى وهارونَ
؟
حسناً ـ : فإنَّ الأخَ بمنزلةِ العضُدِ مِنَ اليدِ
حيثُ إنَّها جماعُ القوةِ، ولمّا علِمَ موسى بصفاءِ
فِطرَتِهِ أنَّ قانونَ الأخوَّةِ أخذٌ وعطاءٌ، طلَبَ
مِنَ الحقِّ تعالى أنْ يُشرِكَ أخاهُ هارونَ معَهُ في
الفضلِ، فلا تكونُ النبوَّةُ قاصِرةً عليهِ فحسبُ،
فقالَ: ( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) وما طلبَ
موسى هذِهِ الأخوَّةَ للتسليةِ والتَّشجيعِ فحسبُ، بل
طلبَها لأمرٍ بالِغِ الأهميةِ فقالَ: (كَيْ
نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (.
الشّابُ: وإلى أيِّ مدىً تكونُ العلاقةُ بينَ الإخوةِ
في اللهِ؟
ـ: إلى أبعدِ الحدودِ، ألم تسمعْ قولَ موسى ( كَيْ
نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً )
فالأخوَّةُ مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ حتى غدتْ مرتبطةً
بأخصِّ خصوصيّاتِ الإنسانِ، ألا وهيَ العلاقَةُ بينَهُ
وبينَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى. الشّابُ: هذِهِ
الأخوَّةُ ربما غدَتْ ذاتَ أهميَّةٍ في ذلكَ الزَّمَنِ
الماضي قبلَ أنْ تتعقَدَ متطلباتُ الحياةِ؟
ـ: إننا اليومَ في خِضَمِ هذا الزَّمَنِ العصيبِ لا
يسعُنا إلاَّ أنْ نكونَ إخوةً متحابينَ فيما بينهمْ
متعاونينَ على البرِّ والتَّقوى، متنائينَ عن لدغاتِ
الإثمِ والعدوانِ، إذ إننا نعايشُ عصراً قد انتشرَتْ
فيهِ الرَّذيلةُ، وكادَتْ أنْ تغيبَ عنهُ الفضيلةُ،
لابُدَّ فيهِ مِنْ إخوةٍ يسلي بعضُهُمْ بعضاً عندَ
مصائبِ الدَّهرِ، ويحمي بعضُهُمْ بعضاً مِنْ سُبُلِ
الغوايةِ والضَّياعِ، يساعِدُ غنيهُمُ الفقيرَ،
وينصُرُ قويُّهمْ الضَّعيفَ، فقدْ سَطَّرَ سلفُنا
الصّالحُ بالأخوةِ أرقى وأرفعَ معاييرِ التعاونِ
الإنسانيِ، والتكاتُفِ الاجتماعي، فغدو إخوةً في اللهِ
متحابينَ، لأعدائهمْ قاهرينَ، أذلةٍ فيما بينهُمْ ،
أشدةٍ على من أرادَ بأحدِهِمْ سوءً، يجوعُ أحدُهمْ
ليشبِعَ بطنَ أخيهِ، ويظمأُ آخرُ ليرويَ عطَشَ أخيهِ،
ويفتقِرُ ثالثٌ ليسُدَّ خُلَّةَ أخيهِ، ويتعرّى
رابعُهمْ ليستُرَ عورةَ أخيهِ.!!
الشّابُ: إنَّ ليَّ رفاقاً نلهو ونمرحُ معاً، غيرَ
أنَّهُمْ ليسوا مِنْ أهلِ الصّلاحِ فهلْ في صحبَتِهمْ
مِنْ بأسٍ ؟
( يتبع )
كتبه هاني الحلبي