البداية العطرة
:
من أين نبدأ أيتها
السيدة الكريمة؟
من أين نبدأ أيتها الأم
التي لا يداني فضلك فضل ؟
إن سيرتك كلها فضيلة في
فضيلة
إن حياتك من أول يوم
عرفت فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها
بركات تترى
فالحديث عنك سيدتي بل
أمي واسع الآفاق, عميق المدى ,ندي العطاء ...فيه سجات
مباركات في بحار أنوارك أنوار صفائك وكرمك الذي كان
قـبلة النساء في هذا المجال...
إن تاريخ النساء في دنيا
التاريخ ,لم يحفظ في أوراقه أن امرأة من فضليات النساء
في دنيا النساء قد فاحت سيرتها بالعطاء كما كنت أنت ..
لقد تناول التاريخ سيّر
نساء كثيرات , اشتهرن بجانب أو أكثر ولكنه لم يحدثنا
كما حدثنا عنك و أنهن بلغن قمم المكارم كما بلغت أنت .
وقد حفظ التاريخ كثيرا
من فضائلك و لكنه على الرغم من ذاكرته الواسعة لم
يستطع أن يحصر تلك الفضائل بين دفتيه..
لقد كنت واسطة العقد في
نساء أهل البيت أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا .
لقد كنت عنوان كل فضيلة
عنوان كل فضل في نساء ذلك البيت المجيد الحميد الذي
بارك الله فيه وعليه
فهل تسمحين أيتها الأم
الروؤم أن نتفيأ بظلال سيرتك بعض الوقت كي ما تكون
سيرتك زادا لنا في هذه الحياة التي نحياها ولتكون
سيرتك جواز مرور إلى مرتبة الفضل ,وسدة العطاء..؟
فما أحلى تلكم الأوقات
التي نحياها مع أمنا , أم المؤمنين خديجة بنت خويلد
زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأم الذرية الطاهرة ,
وسيدة نساء العالمين , وقدوة نساء المسلمين .
إذن فلتكن الرحلة سعيدة
إن شاء الله مع سيرتك المعطاء ومع وقفات نبيلة كريمة
من حياتك من عطائك المستمد من شخصية النبي الرؤوف
الرحيم وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم .
ظلال الماضي
:
هبط ظلام الليل على مكة
...وخيم سكون عميق ...
لكن الحركة لم تنقطع حول
البيت العتيق , فقد كان الطائفون بالكعبة تقطع همساتهم
وكلماتهم ذلك السكون , وتمزق حركاتهم هدوء الليل من
حول الكعبة .
مع ثلة من الطائفين و
الطائفات كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تلوذ
بالبيت العتيق , يسترها
ظلام الليل من عيون رجال
قريش ونسوة كن معها .
كانت سيدة نساء قريش
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تطوف مع النساء ,
وتبتهل إلى رب البيت العتيق أن يبارك لها في تجارتها
.. كانت سعيدة بما بلغته في دنيا التجارة , وكانت
مسرورة بما وصلت إليه في سلطان المال, وفي سلطان الجاه
..
ويبدو أن فكرة اعترضت في
ذهن خديجة وهي في طوافها, برزت الفكرة بشكل واضح,
ونقلتها إلى ظلال الماضي القريب, إلى ذكريات أخذت
مساحة واسعة من ذهنها .
صحيح أنها سعيدة الآن في
تجارتها, إلا أن سعادتها في حياتها الزوجية قد تعثرت
وتمزقت أكثر من مرة ولم تعرف إلى قلبها الكبير سبيلا
ً, بل ضلت السبيل منذ بدايتها , كان قلب خديجة يرنو
إلى حياة زوجية رفيعة فيها سمو وبذل وتضحية وكفاح في
سبيل تحقيق غاية سامية نبيلة.
تزوجت أبا هالة بن زرارة
التميمي ولمّا تبلغ ربيعها الخامس عشر وراحت تجاهد
ليكون زوجها سيّدا ً بين السادة من الرجال , ليكون من
رجال قريش المعدودين في الجاه والشرف والسيادة ...
ولكن الموت لم يترك لأحلامها مجالا , فقد اختطف زوجها
أبا هالة قبل أن يصبح شيئا مذكورا , وقبل أن يسلك طريق
المجد ويرتقي سلّم الشهرة .
انقضى زمن على موت زوجها
أبا هالة بن زرارة التميمي , فتقدم لها أحد أشراف قريش
وهو عتيق بن عابد بن عبد الله فتزوجت وأنجبت ولكن هذا
الزواج لم يدم طويلا .
أصبحت خديجة سيدة نساء
قريش بلا زوج أيضا , وقبل أن تبلغ من عمرها الخامسة
والعشرين , وانتهت هذه الفترة من حياتها , ثم تلاشت
ذكرياتها ودفنت في مهد الماضي .
كانت خديجة رضي الله
عنها عالية الهمة, جياشة العواطف ,واسعة الأفق, مفطورة
على التدين والنقاء والطهر حتى لقد عرفت بين أترابها
وبين نساء قريش بالطاهرة وناهيك بهذه الصفة التي حلّقت
بها بين أترابها و بين نساء قريش حتى سبقت بها ساحة
المعالي.
كانت خديجة رضي الله عنها تصغي كثيرا إلى أحاديث ابن
عمها ورقة بن نوفل عن الأنبياء , وكثيرا ما كانت
أحلامها المجنحة ترفرف في سماوات عالية من الفضل و
الفضيلة لم تكن لتصل إليها أماني أهل عصرها من رجال و
نساء ... لكن خديجة كانت تشعر بأن شيئا ما يسيطر على
أحلامها ,ويزرع الطمأنينة في نفسها الكبيرة المشرقة ,
إلا أنها لم تكشف سر هذا , ولكنها تحس به , بل تتوقع
حدثا ً ما, وكان يساورها إلى أنها ستحضن شيئا ما ولكن
متى و أين وكيف هذا مالم تستطع أن تمسك بطرفه, أو تعلم
شيئا عن حقيقته فكيف الطريق إلى هذا السر هكذا كانت
خديجة تحدث نفسها بين الحين و الآخر
يتبع