من أبواب الخير:
المسلم الحق أولى الناس بحياة سعيدة طيبة، لأن المسلم
- رجلاً كان أو امرأة - لا ينفرد بالخير لنفسه، بل
يعتبر من حوله شريكه في الخيرات، وهذه المشاركة لا
تضفي على النفس البشرية صفاء ونقاء تجعلها تحيا حياة
طيبة في ظلال الخيرات.
يقول عباس محمود العقاد رحمه الله: إن من يحيا، يجب أن
يعيش في كل صورة من صور الحياة، ويشتهي أن يبسط ظله
على كل موجود، ويمد شعوره إلى كل مكان، ويتخلل بنفسه
كل نفس، وينفذ بسريرته إلى كل زاوية من زوايا هذا
الكون، ويجعل لحياته مساحة، هي مساحة هذا العالم الذي
لا حد له، ولا نهاية لأشكاله، وأزمانه، من يحيا يعز
عليه ألا يجد سوقاً ينفق فيها حياته، كما يعز على
الغني ألا يجد متاعاً يشتريه بماله.
ومن ألف عمل المعروف والخيرات، كافأه الله عز وجل
بإدامة ثوابها عليه، ومن تعود على الإحسان، وعمل
الخيرات، يشعر بإلحاح في نفسه، لمتابعة المسير في هذا
الطريق الكريم.
وقد أشار القرآن الكريم، إلى كثرة منافذ الخير التي
يجب أن يسير عليها المسلم مهتديا بمنهج ربه عز وجل،
حيث رغبه في ثواب الله عز وجل، غذ إنه سبحانه لا يهمل
المكافأة على أي خير مهما قل أو صغر، قال تعالى: (وما
تفعلوا من خير يعلمه الله)، وقال أيضاً: (فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره).
وضيفة حلقتنا اليوم، واحدة من نساء أهل البيت النبوي
الطاهرات، اللاتي أكرمهن الله عز وجل، وفضلهن على
غيرهن من النساء، وهي إحدى النسوة اللواتي اشتهرن
بالإحسان، وحلقن في سمائه، فكتب لها الخلود، وكتبت في
سجل الخالدين، لا بل، نظمت في عقد أمهات المؤمنين،
ونالت شرف أمومة المؤمنين، ودخلت رحاب البيت النبوي
الطاهر.
زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية، أم
المؤمنين، هي التي نتحدث عنها في صفحات.
هذه المرأة الكريمة كانت - وظلت - تدعى أم المساكين
لكثرة معروفها وإحسانها إليهم، و(هل جزاء الإحسان إلا
الإحسان).
فهل يمكننا أن نلقي الضوء على سيرة حياة أم المؤمنين
زينب بنت خزيمة كيما نوفيها بعض الإحسان ؟ وهل نستطيع
أن نعيش سعداء في ظلال حياتها المعطاء في البيت النبوي
العظيم، ذلك ما نرجو الله عز وجل أن يكرمنا بالحديث عن
سيرتها.
حياتها قبل دخولها البيت النبوي:
يبدو أن زينب بنت خزيمة قد ولدت في أم القرى بمكة قبل
البعثة النبوية بثلاث عشرة سنة تقريباً، ولما أيفعت
زينب، أشرقت مكة بنور الإسلام، فسارعت زينب إلى
الانضمام لثلة الأولين الذين نعموا بأفياء الإيمان
بالله ورسوله.
أما عن زواج زينب بنت خزيمة، فهناك أقوال أشهرها ما
قاله الزهري رحمه الله:
أنها كانت زوجا لعبد الله بن جحش، وقتل عنها في يوم
أحد.
وقيل: كانت زوجة للطفيل بن الحارث، ثم خلف عليها أخوه
الشهيد عبيدة بن الحارث المطلبي.
ولا نستطيع أن نجزم في هذه الأقوال شيئا، أو أن نرجح
أحد الأقوال، لأننا لا نمتلك السند الوثيق في هذا
المجال، ويمكنني أن أضع القارئ الكريم أمام آراء
المرؤخين، وكتاب السيرة، والتراجم حتى نقترب معاً من
ضوء الحقيقة - إن استطعنا ذلك - .
فقد روى الطبراني رحمه الله برجال الصحيح عن محمد بن
إسحاق رحمه الله قال:
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة
الهلالية أم المساكين كانت قبله عند الطفيل بن الحارث
بالمدينة.
وقريب من هذا ما أورده ابن الكلبي قال: كانت زينب بنت
الحارث عند الطفيل بن الحارث، فطلقها، فتزوجها أخوه
عبيدة بن الحارث، فقتل يوم بدر شهيداً، ثم خلف عليها
رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس أحد
وثلاثين شهراً من الهجرة، بعد حفصة بنت عمر رضي الله
عنهما.
زينب من أمهات المؤمنين:
في السنة الثالثة كانت غزاة أحد، وفي هذه الغزوة
استشهد رجال كرام أعزاء من الصحابة الكرام رضي الله
عنهم، وتركوا ما تركوا لله عز وجل ابتغاء مرضاتهن
وابتغاء رضوانه وجنته التي وعدهم.
أما المسلمون من الصحابة الكرام، فلم يتركوا أزواج
الشهداء وذريتهم للضياع، أو لجور الأيام، وإنما راح كل
قادر منهم يضم إليه زوجة شهيد وأبناءه، كيما يمسح عن
قلوبهم ألم الفراق، وألم اليتم.
نتذكر هنا حمة بنت جحش رضي الله عنها ، وقد ولولت على
زوجها مصعب بن عمير رضي الله عنه ، وقالت: واحزناه،
ويسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال:
«
عن
للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد»، وعندئذ قال
لها صلى الله عليه وسلم : «لم قلت هذا ؟ »، قالت حمنة
رضي الله عنها : يا رسول الله، ذكرت يتم بنيه فراعني.
فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولدها، أن
يحسن الله تعالى عليهم الخلف، فتزوجت طلحة بن عبيد
الله رضي الله عنه ، فكان أوصل الناس لولدها.
وممن استشهد في أحد زوج زينب بنت خزيمة الهلالية،
فكانت دائمة الحزن عليه، ونظرت فرأت نفسها وحيدة حزينة
في المدينة المنورة، وليس لها من معيل، أو معين، أو
عون، سوى الله عز وجل.
إلا أن زينب بنت خزيمة رضي الله عنها كانت موصولة
القلب بالله عز وجل، وتدرك أن الله عز وجل لن يضيعها،
فأسلمت إليه أمرها، واستسلمت لقضائه وقدره.
انقضت عدة زينب بنت خزيمة، فلم تشعر إلا ورسول الله
صلى الله عليه وسلم جاء يخطبها، وحينذاك جعلت أمرها
إليه، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو خير من
يتولى أمرها، ويرعى شأنها.
هذا وقد أصدقها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
أربعمائة درهم، وبنى لها حجرة إلى جوار حجرة عائشة بنت
أبي بكر، وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم جميعاً، وذلك
قرب المسجد النبوي الشريف.