امرأة عظيمة

الزهراء وأهل البيت وثروة أدبية

في رحلتي الميمونة المباركة مع سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها لاحظت عظيم الأثر الذي تركته بصماتها المعطار في سطور علماء الأدباء وأدباء العلماء، كالشافعي وأبي نعيم الأصبهاني، وابن جابر الأندليسي والذهبي، وغيرهم كثير ممن لا يحصون.

وعندما وضعت نصب عيني الحديث عن فاطمة الزهراء وجدت أمامي ثروة عظيمة من تراث الفكر ومن نفحات ورشحات الأقلام التي جادت بها قرائح أعلياء العلماء، وأكابر السادات وسادات الأكابر، في كل فنّ من فنون المعرفة ولو جمعت تلكم الآثار الحسان لتحصل عندنا مجلدات كبيرة قد لا نستطيع حصرها ضمن مئات الصفحات.

سنعيش لحظات في ظلال تلك النفحات الندية التي سمحت بها القرائح في مختلف العصور من علماء وأدباء وشعراء، استلهموا فن معارفهم من فاطمة الزهراء ومن أهل البيت النبوي الكريم، فجاءوا بسحر حلال، يهمس بأعماق القلوب، فيأخذ بمجامعهم ويروي ظمأ النفوس التي تودّ  الاستزادة من شرب رحيق سير هؤلاء الأطهار، ومن منا لا يرتوي من معين سيرتهم؟.

افتتح الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ـ رحمه الله ـ ترجمته لفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله اللطيف: ومن ناسكات الأصفياء، وصفيّات الأتقياء فاطمة رضي الله عنها السيدة البتول البضعة الشبيهة بالرسول ألوط ـ ألصق ـ أولاده بقلبه لصوقاً وأولهم بعد وفاته به لحوقاً كانت عن الدنيا ومتعتها عازفة وبغوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارفة.

ونقل القسطلاني ـ رحمه الله ـ ما يخص فاطمة الزهراء من أشياء لطيفة تضاف إلى الرصيد الأدبي فقد ذكر أنها سميت فاطمة لأن الله قد فطمها وذريتها عن النار يوم القيامة وقال أيضاً: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله.

ولم يكن لرسول الله r عقب إلا من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها فانتشر نسله الشريف منها من جهة السبطين الحسن والحسين فقط.

ويقال للمنسوب لأوّلهما : حَسَني ولثانيهما: حُسَيني.

هذا وقد أغرم فقهاء المسلمين في التسابق المحمود إلى إبراز فضائل فاطمة الزهراء وأهل البيت النبوي، ذكر الإمام فخر الدين الرازي: أن أهل بيته r ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي السلام والطهارة، وفي تحريم الصدقة وفي المحبة.

وقد نص الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ على هذا فأنشد

يا آل بيت رسول الله حبكم
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم

 

 

فرض من الله في القرآن أنزله
من لم يصل عليكم لا صلاة له

 

 وقد أغرم الحسن بن جبير ـ رحمه الله ـ في نظم القصائد الكثيرة بامتداح أهل البيت النبوي الطاهر وذكر بأنهم هم رسول الله r وفاطمة الزهراء وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم ولكنه لا ينسى أن يثني على بقية الصحابة الكرام فيقول:

أحب النبي المصطفى وابن عمه
همو أهل بيت أذهب الرجس عنهم
موالاتهم فرض على كل مسلم
وما أنا للصحب الكرام بمبغض
همو جاهدوا في الله حق جهاده
عليهم سلام الله ما دام ذكرهم

 

 

علياً وسبطيه وفاطمة الزهرا
وأطلعهم أفق الهدى أنجما زهرا
وحبهموا أسنى الذخائر للأخرى
فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا
هم نصروا دين الهدى بالظبا نصرا
لدى الملأ الأعلى وأكرم به ذكرا

 

ومن المحاسن الحسان التي صاغها الشعراء، هذه القلادة الشعرية الجميلة التي تنضح بعبير الحب والود لأهل البيت عموماً فقال بعض شعراء العصر الخالي:

هم القوم من أصفاهم الود مخلصاً
هم القوم فاقوا العاليمن مناقباً
مواللاتهم فرض وحبهمو هدى

 

 

تمسّك في أخراه بالسبب الأقوى
محاسنهم تجلى وآثارهم تروى
وطاعتهم ودّ وودهمو تقوى

 

ومن فقهاء العلماء وشعراء الفقهاء الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ الذي شارك في شعره الموزون بامتداح الحضرة النبوية وخص آل البيت النبوي الطاهر بغرر من لوامع أنوار كلامه فقال فيهم:

آل النبي ذريعيتي
أرجو بهم أعطى غداَ

 

 

وهمو إليه وسيلتي
بيدي اليمين صحيفتي

 

ويبدو أن الشيخ محي الدين بن العربي ـ رحمه الله ـ قد افتتح أحد فصوله في الفتوحات بامتداح أهل البيت الأسياد الأطهار فقال:

فلا تعدل بأهل البيت خلقاً
فبغضهم من الإنسان خسر

 

 

فأهل البيت هم أهل السياده
حقيقي وحبهم عباده

 

ومما تلذ له الأسماع ما أنشده أبو الفضل الواعظ ـ رحمه الله ـ في ذكر أهل البيت قال:

حب آل النبي خالط عظمي
أنا والله مغرم بهواهم

 

 

وجرى في مفاصلي فاعذروني
عللوني بذكرهم عللوني

 

وتظل فاطمة الزهراء رضوان الله عليها تحظى بأرفع المكانة في نفوس الناس على اختلاف مشاربهم فكان الشعراء ينسبون أولادها إليها وبعضهم ينادي رسول الله r بأبي الزهراء، ولعلنا نتذكر قول الفرزدق يمتدح زين العابدين علي بن الحسين حيث يقول قصيدته الشهيرة التي مطلعها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

 

 

والبيت يعرفه والحل والحرم

 

 ومن أبيات هذه القصيدة الرائعة قوله ينسب زين العابدين إلى جدته فاطمة  الزهراء فيقول:

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

 

 

بجده أنبياء الله قد ختموا

 

وفي هذا العصر الحالي نجد الشاعر أحمد شوقي يمتدح رسول الله r ويناديه بأبي الزهراء فيقول:

أبا الزهراء قد جاوزت قدري

 

 

بمدحك بيد أن لي انتسابا

 

ولعل العلماء والأدباء لم يتركوا باباً فيه امتداح لأهل البيت إلا وطرقوه ولم يجدوا معنىً طريفاً إلا وذكروه فهذا بعض الأدباء يلجأ إلا الاقتباس من آي الذكر الحكيم مع ما يتوافق مع هواه في امتداح آلي النبي الكرام فيقول:

مديح آل النبي عندي
أنجو بهم من عذاب نار

 

 

خير من اللهو ومن التجارة
وقودها الناس والحجارة

 

وباب الأدب هذا باب واسع جداً ليس له حدود ولا تزال أكله تؤتى كل حين إلى ما شاء الله.