امرأة عظيمة

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

 

كانت خديجة تعرف محمد بن عبد الله حق المعرفة .

فعمته : صفية بنت عبد المطلب زوجة العوام بن خويلد ، وقد ترامت إليها سيرته العطرة وأخباره المباركة فودت أنه عمل لها في تجارتها .

ويبدو أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم قد رغب إلى ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على خديجة بعد أن ذكر له قلة ماله و أن الزمان قد اشتد عليه ونصحه أن يتجر بمال خديجة فلعل الله أن يسوق له رزقا" حسنا" من مال خديجة , قال له أبو طالب : أنا يا ابن أخي رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا, و ألحت علينا سنون منكرة , وليس لنا مادة ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام , و خديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في تجارتها , فلو جئتها فعرضت نفسك عليها ، و بلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له , وقبل ذلك بلغها ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه فقالت : ما علمت أنه يريد ذلك , ثم أرسلت إليه فقالت : انه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك و كرم أخلاقك و أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا ً من قومك فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام ونزل في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا ً من صومعة راهب يقال له برصيصة فاطلع الراهب إلى ميسرة و كان يعرفه من قبل فقال :

يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة ؟

فقال ميسرة : رجل من قريش من أهل الحرم .

فقال الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي .

ثم قال له: في عينيه حمرة ؟

قال : نعم لا تفارقه .

قال الراهب : هو هو و هو آخر الأنبياء و يا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج .

فوعى ذلك ميسرة , ثم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى فكان بينه وبين رجل خلاف في سلعة , فقال الرجل احلف باللات و العزى .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حلفت بهما قط و إني لأمر فأعرض عنهما .

فقال الرجل القول قولك .

ثم قال لميسرة ( وخلا به ) يا ميسرة هذا نبي تجده أحبارنا موصوفـا ً في كتبهم , فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعا ً.

كان ميسرة يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت الهاجرة يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره صلى الله عليه وسلم وكان الله عز وجل قد ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة من ميسرة فكأنه عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم و باعوا تجارتهم و ربحوا ضعف ما كانوا يربحون فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران قال ميسرة : يا محمد انطلق إلى خديجة بما صنع الله لها على وجهك فإنها تعرف لك ذلك , فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة و خديجة في علية لها معها فيهن نفيسة بنت منية , فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظلان عليه فأرته نساءها فعجبن لذلك و دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال لها ميسرة قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام و أخبرها بقول برصيصة الراهب و قول الذي خالفه في البيع .

وربحت خديجة في تجارتها ضعف ما كانت تربح , وأضعفت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضعف ما سمت له .

خديجة و رغبة مباركة

كان تقدير خديجة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تقديرا ً واقعيا ًدافعا ً لها على أن تفكر في شأنه تفكيرا آخرا أكبر من كونه يتَّجر في مالها فتربح و يربح .

إنها عرفت محمدا ً صلى الله عليه وسلم بما عرفه به قومه أمينا ً صدوق الحديث عزوفا ً عن الدنايا طموحاً لعوالي الأمور , متساميا ً بنفسه عن مفاخر المروءة كسوبا ً للخير , فعَّالا ً له, بل إن خديجة عرفت محمدا ً صلى الله عليه وسلم أكثر مما عرفه به قومه , عرفته عاملا ً في مالها , وصَحِبه في سفره غلامها ميسرة , فحدثها عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم في السفر و العمل ، وحدثها بما شهد من دلائل مستقبل هذا الفتى الكريم ، و حدثها عن تنبؤات الرهبان به ، و حدثها عن مظاهر الرعاية ما عجبت منه نساءها وتذكرت حديث اليهودي في أحد أعياد قريش عندما أعلن بظهور نبي فوقر كل ذلك في نفسها .

إن خديجة الآن امرأة خلية عن الزوج شريفة حسيبة ذات مال كثير يحتاج إلى يد أمينة تديره و تنميه و تحوطه , ثم إن محمدا ً صلى الله عليه وسلم في ذروة الشرف من قومها , أليس هو سليل عبد المطلب شريف قريش وسيدها ؟ بلى ..... أليس هو أنبل فتى و أعقله , و أعظمه أمانة , و أكمله مروءة ؟ !

ثم إنه خلي هو الآخر لم يتزوج وقد بلغ سن كمال اكتمال الشباب , فما يمنعها أن تكون زوجا ً له ؟

وما يمنعه أن يكون زوجا ً لها ؟ !

لقد علمت خديجة رضي الله عنها أن محمدا ً صلى الله عليه وسلم حاله حال التُّقى والزهد والنقاء والحياء ، وهذه السمات سجية فيه وطبيعية لا اكتساب , لقد عرفت خديجة كل شيء عن محمد صلى الله عليه وسلم ولكن ما الطريق التي يوصلها إليه ؟؟ !!

إذا ً فلتدس له صديقة من صديقاتها اللاتي تثق بهن , ويعرفن رغبتها و من ثم تلقي إليه هذه الرغبة إلقاء عارضا ً كيما تعرف مكانها من نفسه .

تقول نفيسة بنت منية : كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير و هي يومئذ أوسط قريش نسبا ً و أعظمهم شرفا ً و أكثرهم مالا ً وكل قومها حريصٌ على لقائها لو قدر على ذلك , قد طلبوها و بذلوا لها الأموال ، فأرسلتني دسيسا ً إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من عيرها من الشام .

فقلت : يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟؟ فقال : ما بيدي ما أتزوج به .

قلت : فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال و الشرف و الكفاءة ألا تجيب ؟؟

قال : فمن هي ؟ قلت : خديجة .

قال : فكيف لي بذلك ؟ قلت : عليّ .

قال : فأنا أفعل .

فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت الساعة كذا و كذا و أرسلت إلى عمها عمر بن أسد ليزوجها فحضر

و دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته , فزوجه أحدهم

وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس و عشرين سنة و خديجة يومئذ بنت أربعين سنة .

لقد وضح الطريق و سهلت مهمة الصديقة الأمينة خديجة , و دُعي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجمال و الشرف و العقل و الكمال إلى خديجة بنت خويلد سيدة نساء قريش و أطهرهن , فأجاب كفئا ً كريما ً .

و زوجها عمها عمر بن أسد و زوج محمد صلى الله عليه وسلم عمه .

كانت خديجة رضي الله عنها في سن اكتمال الشباب , و في هذا من أسرار الموافقات النفيسة ما يجعلنا نعجز عن أداء ذلك بالكلام لأن محمدا ً صلى الله عليه وسلم كان إلى عاطفة الأمومة و حنانها و برّها أدنى منه حاجة إلى عاطفة الزوجة و حبها , و خديجة رضي الله عنها كانت هي الزوجة في حبها و هي الأم في حنانها و برها ، و من ثم كانت امرأة واحدة في تاريخ الدين لم تتكرر في الحياة و لن تتكرر في هذا الوجود .

إن السيدة خديجة رضي الله عنها لوثيق معرفتها بأخلاق محمد صلى الله عليه وسلم الفطرية التي خبرتها فيه بتجاربها و فراستها و بما كان يخصه به مجتمعه من الإكبار و حسن الأحدوثة , أقسمت على الله تعالى لن يخزيه , و أكدت ذلك بلفظ التأييد ، و استدلت بوحي عقلها الرصين على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي , فوصفته بأصول مكارم الأخلاق .

قال العلماء في هذا : و إنما كان ما ذكرته خديجة أصول المكارم , لأن الإحسان إما إلى الأقارب كما في صلة الرحم , و ما يتفرع عنها من التعاطف و التراحم و فروعها من صدق الحديث و أداء الأمانة , و كسب المعدوم لمن يحتاج إلى المعونة من الضعفة ، و إما على من يستقل بأمره كما في الكَلِّ الضعيف الذي لا يقوم بأمر نفسه . هذا وقد كانت كلمات أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها نوعا ً من فراسة الإلهام الذي ينظر إلى ما وراء الحجب .

خففت بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شعر به من آثار المفاجأة الرهيبة عند نزول الوحي و قد آب إليها من خلوته و متعبَّده في حراء , فرأت منه صلى الله عليه وسلم حالا ً من مشقة الجهد لم تكن تراه عليه من قبل في أوباته إليها , ليتزود لخلوته , و يجد ببيته و ولده و زوجه عهد الحنان و الحب .

لذلك جلس إلى خديجة بعد أن هدأت نفسه , وحدثها و حدثته , وسمعت منه جديدا ً , لم تكن من قبل تسمعه منه , و كان في هذا الحديث نغم هامس ساحر , نغم يفوح بروحانية جديدة , تتلمس دفء الحنان في أحضان الوفاء .

فمنذ أن بلغ صلى الله عليه وسلم سن الرجولة , كانت البشائر تتوالى عليه قبل أن ينبّأ , و كانت خديجة رضي الله عنها على علم بالكثير من ذلك , و قد ثبت أنها رأت الغمامة تظلِّله صلى الله عليه و سلم قبل أن يتزوجها , و لم تفارق ذاكرتَها أحاديثُ غلامها ميسرة عما شاهد و شهد من الأعاجيب و الآيات التي وقعت له صلى الله عليه وسلم .......

كانت آمال خديجة رضي الله عنها منذ صارت زوجة محمد صلى الله عليه وسلم تحلق حوله في آفاق تطلعاتها إلى الأفق العلوي , وتجليات الملأ الأعلى لمحمد صلى الله عليه وسلم في لقاء المواجهة و لقاء الرسالة , فكانت آمال الفراسة النورانية و إلهام التوسم تتحقق شيئا ً فشيئا ً عند السيدة خديجة رضوان الله عليها .

فقد حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه الوفية الأمينة عن خلجات ضميره , فما كان من الزوجة العاقلة إلا أن شدت أزره , و كانت وزير صدق على الإسلام , و لكي تشد أزره صلى الله عليه وسلم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي ود أن ينصره نصرا ً مؤزرا ً إن أدركه , و شدد وصيته لخديجة بأن تكون شديدة الاهتمام و الرعاية لمحمد صلى الله عليه وسلم , فكانت كذلك . . . . .

وعن هذا الموقف العطر لخديجة تحدثنا بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن فتقول : هل كان لأنثى غيرها أن تهيئ له الجو المسعف على التأمل , و أن تبذل له من نفسها في إيثار نادر – ما أعدّه لتلقي رسالة السماء ؟ هل كان لزوج عَداها أن تستقبل دعوته التاريخية من غار حراء بمثل ما استقبلته هي به من حنان مستثار , و عطف فياض , و إيمان راسخ , دون أن يساورها في صدقه أدنى ريب , أو يتخلى عنها يقينها في أن الله عز وجل غير مخزيه أبدا ً ؟؟

هل كان في طاقة سيدة غير خديجة , غنية مترفة منعمة أن تتخلى راضية عن كل ما ألفت من راحة و رخاء و نعمة لتقف إلى جانبه في أحلك أوقات المحنة , و تعينه على احتمال أفدح ألوان الأذى و صنوف الاضطهاد في سبيل ما تؤمن بأنه الحق ؟؟

كلا . . . . . . بل هي وحدها التي منَّ الله عليها بأن ملأت حياة الرجل الموعود بالنبوة , و إن كانت أول الناس إسلاما ً , كما أمّن لرسوله عليه الصلاة والسلام ملاذا ً وسكنا ً و وزيرا ً .

نعم لقد كانت خديجة رضي الله عنها مناط كل فضيلة , و معقد كل رجاء عند كل ملمة , و الرحيق المختوم لكل أمر يعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يعترضه , لم تبخل لحظة واحدة من حياتها المعطاء في تقديم كل ما يذلل صعوبات الدعوى المحمدية .

فقد كانت الطاهرة أمُّنا خديجة رضي الله عنها تروح عن قلبه صلى الله عليه وسلم الهموم , وتذهب عن صدره الأحزان بما لها من كياسة وفطنة , و بما وهبها الله عز وجل من رفق و لين , و تضحية وفداء , و صبر و نيل , و أمل و رجاء و عزيمة , ناهيك بخلقها الذي كان منبع فيض الخيرات لكل من أراد أن يقتدي بها من النساء على مر الدهور و العصور .

لقد عُرف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه كان يأنس إلى زوجه الوفية الأمينة الطاهرة السيدة خديجة رضي الله عنها أُنسا ً لم يأنسه لأحد من سواها , فيحدثها بما يكون قد رأى وسمع في خلوته , بمتعبده أو في مرجعه إليها من غرائب الأحداث , و عجائب الآيات , فيجد عندها مشاعر صدق الود و الحنان ما يخفف من آثار ما عسى أن يكون قد شق عليه , بل وتثبته و تكشف له عن محاسن الفضائل المتمثلة فيه ليتابع طريق التبليغ الإلهي للناس كافة , وبهذا تفردت أمّنا خديجة رضي الله عنها في هذا المضمار الكريم . . . .