امرأة عظيمة

 الزهراء وعام الحزن

كانت السنون تمر ورسول الله r يدور على مجالس قريش، يدعوهم إلى عبادة الله الخالق البارئ المصور وإلى الإسلام الدين القيم فيلقون إليه أسماعهم مرة ويعرضون عنه مستهزئين مرات، والرسول الكريم r صابر يصدع لأمر الله، وكان يلقى من عطف زوجه خديجة ورعاية ابنته فاطمة الزهراء، ما ينسيه قسوة ما يتحمل من آلام وإيلام.

وكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تنظر بعين البصيرة إلى أمها خديجة حاضنة الإسلام، وهي تمسح لوعة الأسى عن قلب رسول الله r حينما يؤذيه قومه، وكانت ترى أمها خديجة أيضاً وهي تهوِّن عليه ما يقاسيه من عذاب واضطهاد، وتزوده بثقة في نفسه، وتؤيده بكل ما تملك من قوة مادية وروحية، فكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تسلك الطريق نفسه في رعاية أبيها رسول الله r الذي يأخذ بيد البشرية إلى ينابيع وروافد الإخلاص، ومناهل العرفان، وحبل الاعتصام بتقوى الله عز وجل.

مضت بضع سنين على الدعوة المحمدية، فإذا بكفار قريش يجتمعون قرب الكعبة ووجوههم باسرة وعقولهم مشتتة وقلوبهم تنزف غضباً وحقداً وكراهية، فأمر محمد رسول الله r يشتد وأتباعه يزيدون يوماً بعد يوم، وها هو سيد فتيان قريش حمزة بن عبد المطلب يعلن إسلامه ثم يتلوه عمر بن الخطاب ويعلو أمر المسلمين ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أطار عقول الكافرين أن بعض هؤلاء المسلمين قد تمكنوا من أن ينسلوا إلى الحبشة وأن ينزلوا بلداً أصابوا به أمناً، وكانوا في خير دار، عند خير جار.

راح رؤوس ورؤساء الكفار يتشاورون في أمرهم، فرأوا أن هناك أمراً قد يجدي  نفعاً لهم، واقترح النضر بن الحارث أحد أحلافهم وكبارهم حلاً ظن أنه سيلقى الستار على الدعوة المحمدية، ومن ثم تتلاشى إلى الأبد.

وأخذ النضر بن الحارث يعرض ما أتى به، واقترح على عصبة الشرك منابذة بني هاشم وبني المطلب وإخراجهم من مكة، وحصرهم في شعب أبي طالب، والتضييق عليهم بمنع حضور الأسواق، وأضاف إلى اقتراحه الخبيث بأن لا يناكحوهم وألا يقبلوا لهم صفحاً ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا رسول الله r لهم كيما يقتلوه.

كان الملأ الفاجر يستمع لما يقوله الفاجر النضر بن الحارث فارتفعت الأصوات مؤيدة ما قاله النضر، وحسبوا أنهم سيفلحون وسيصلون إلى مآربهم الدنيئة بهذه الفعلة الشنيعة.

وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة توكيداً على أنفسهم أنهم قطعوا كل علاقة مع بني هاشم وبني المطلب ودخل رسول الله r وبنو هاشم وبنو المطلب إلى الشعب وكان دخولهم هلال شهر  المحرم من سنة سبع من النبوة.

دخلت فاطمة الزهراء ونساء أهل البيت النبوي وغيرهن من نساء بني هاشم وبني المطلب شعب أبي طالب، ومرت الأيام والزهراء ومن معها في ضيق فقد نفد ما كان عندهم وخوت البطون، وزاغت العيون، وتفككت الأوصال وبكى الصغار وراحوا يطلبون الطعام، وكانت دموع النساء تنهمر وأكباد الرجال تكاد تتفتت.

راح الجوع يطارد بني هاشم مؤمنهم وكافرهم، ولكن لم ينل ذلك منهم، وإنما ازدادوا إصراراً على نصرة محمد r حتى مضت على الحصار الظلوم ثلاثة أعوام، هذبت فيها نفوس المؤمنين، ولقيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها خلالها أذىً شديداً فوهن جسمها، ومرضت أمها خديجة نتيجة الحصار الأليم.

وخرج رسول الله r وبنو هاشم والمطلب من الشعب بعد ثلاثة أعوام وهم يكبرون: الله أكبر الله أكبر، ولم تزدهم هذه المحنة إلا إيماناً وتسليماً.

في تلك الأثناء كانت أم المؤمنين خديجة تكابد ألواناً من الأسى والأمراض فقد أثر في صحتها ذلك الحصار الأليم، مما جعلها طريحة الفراش، وقد قامت ابنتها الزهراء وابنتها أم كلثوم، على شؤونها رعايتها.

لكن الأيام لم تكن طويلة، فقد توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وشعرت فاطمة الزهراء أنها فقدت ينبوع الحنان بينما تفجرت ينابيع الأسى بين ضلوع نساء أهل البيت لفقد خديجة وزيرة الإسلام، وحاضنة الدعوة منذ أن أزهرت إلى أن أينعت وآتت أكلها.

ومنذ أن توفيت خديجة راحت فاطمة الزهراء تقص آثارها، وتهتدي بهديها لتكون فيما بعد أشهر امرأة في نساء أهل البيت، بل في دنيا النساء.