امرأة عظيمة

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

 

رؤيا نورانية :

في ليلة غارت نجومها ,واحلو لك ظلامها جلست خديجة في بيتها بعد أن طافت مرارا بالكعبة ثم تفقدت أبنائها الذين كانوا يغطون في النوم عندئذ ذهبت إلى فراشها وقد ارتسمت على شفتيها علائم الرضا والابتسام ,ولم يدر في ذهنها أي خاطر في ذلك الوقت, وما أسلمت جنبها للرقاد حتى استسلمت للنوم وراحت في سبات .

ورأت فيما يرى النائم شمسا عظيمة تهبط من سماء مكة لتستقر في دارها وتملأ جوانب الدار نورا وبهاء, ويفيض ذلك النور من دارها ليغمر كل ما حولها بضياء يبهر النفوس قبل أن يبهر الأبصار بشدة ضيائه .

هبت خديجة من نومها ,وراحت تدير عينيها فيما حولها بدهشة فإذا بالليل ما يزال يسربل الدنيا بالسواد ويجثم على الوجود والموجودات , بيد أن ذلك النور الذي بهرها في المنام لا يزال مشرقا في وجدانها ساطعا في أعماقها.

مرت لحظات والنور والإشراق لا يفارقان وجدان خديجة ....بعد لحظات تمددت لتعاود رقادها , ولكن الوسن لم يطف بعينيها بل ذهنها , وخفق قلبها ,و أشرق عقلها.

راحت تستعيد من جديد هفهفة ذلك الحلم وتلك الرؤيا, وهي موزعة النفس بين مشاعر شتى من الأمل والرهبة , والماضي والحاضر,انه حلم غريب حقا !جميل حقا!تساءلت خديجة : شمس في داري ؟نور يضيئ الدنيا من هذا البيت ؟ إن هذا لشئ عجيب !!

عندما غادر الليل الدنيا , غادرت خديجة فراشها, ومع اشراقة الشمس , وصفاء الكون في الصباح الباكر, كانت الطاهرة خديجة في طريقها إلى دار ابن عمها ورقة بن نوفل لعلها تجد عنده تفسيرا لحلمها البهي في ليلتها الظلماء .

دخلت خديجة على ورقة ,فألفته قد عكف على قراءة صحيفة من الصحف السماوية التي شغف بها , فراح يقرأ سطورها كل صبح ومساء , وما أن مسّ صوت خديجة أذنيه حتى رحبّ بها وقال متعجبا :

خديجة ؟ الطاهرة ؟

قالت : هي هي

قال في دهش : ما جاء بك الساعة ؟

جلست خديجة, وراحت تقص عليه ما رأت في منامها حرفا حرفا و مشهدا مشهدا

كان ورقة يصغي إلى خديجة في اهتمام جعله ينسى الصحيفة في يده وكان شيئا ما نبّه إحساسه وجعله يتابع سماع الحلم إلى النهاية ....

وما أن انتهت خديجة من كلامها حتى تهلل وجهه بالبشر , وارتسمت على شفتيه ابتسامة الرضا , ثم قال لخديجة في هدوء ووقار : ابشري يا ابنة العم ...

لو صّدق الله رؤياك ليدخلن نور النبوة دارك , وليفيضنّ منها نور خاتم النبيين

الله أكبر... ماذا تسمع خديجة؟ ما الذي يقوله ابن عمها ؟ وجمت خديجة لحظات سرت في بدنها قشعريرة, جاش في صدرها عواطف مشبوبة زاخرة بالأمل والرحمة و الرجاء تحركت في ذهنها أشياء بدأت تتوضح .

كانت الأشياء بالأمس سرا , بدأت تنقشع غيوم الغموض عن تلك الأشياء الغامضة التي في صدرها , وتتوضع في نفسها و وجدانها ...

أفاقت من شرودها الذي دام لحظات و انتبهت إلى ورقة وهو ينظر إليها , فلم تشأ خديجة أن توصد ذلك الباب الذي انفتح عن أعظم نبأ تبحث عنه منذ زمن بعيد ... وراحت خديجة تسأل ورقة عن خاتم النبيين وعن صفته,

وعن أحواله , و ورقة يجيب في هدوء العلماء العارفين ... كانت خديجة سعيدة في ما يقوله ورقة عن خاتم النبيين, ورسول رب العالمين .

ظلت خديجة رضي الله عنها تعيش على رفرف الأمل, وعبير الحلم الذي رأته , فعسى أن تتحقق رؤياها  وتكون مصدر خير للبشرية, ومصدر نور للدنيا فقد كان قلبها الكبير منبعا للخيرات , أما عقلها فكان يستوعب كل ما حولها من أحداث بشكل يتفق مع حياتها .

كانت خديجة رضي الله عنها إذا تقدم لها سيد من سادات قريش تقيسه بمقياس الحلم الذي رأته والتفسير الذي سمعته من ابن عمها الشيخ الوقور ورقة بن نوفل <ولكن إلى الآن لم تنطبق صفات خاتم النبيين على الذين تهافتوا على خطبتها والاقتران بها , فكانت تردهم ردا جميلا وتخبرهم أنها لا تود الزواج  فقد كانت تحس إحساسا غامضا أن القدر الإلهي يخبئ لها سيئا رائعا لا تدري ما هو لكنها تستشعر أن منه ما يدخل الطمأنينة إلى قلبها.

ذكر أهل الأخبار أنه كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه عند الحرم , وفي أحد الأعياد, خرجت خديجة من بيتها نحو الكعبة ثم طافت بالبيت العتيق , وراحت تبتهل إلى الله وتدعوه في صدق أن يحقق لها حلمها, ثم انطلقت نحو نسوة كن بالقرب من الكعبة , وجلست معهن يتجاذبن أطراف الحديث و طرائف الأخبار.

في تلك الساعة , قطع أصوات النسوة صوت صارخ وقف بالقرب منهن كان هذا الصارخ من اليهود وقف بالقرب من النسوة وصرخ : يا معشر نساء قريش .. فالتفت النسوة إليه و السمع فقال: يا معشر نساء قريش انه يوشك فيكن نبي , فأيتكن استطاعن أن تكون فراشا له فلتفعل .

ويبدو أن نساء قريش حسبنه يهذي , فرماه بعضهن بالحصباء و ألقى عليه أخريات منهن سيلا من الشتائم و السباب بينما قبحته أخريات و أغلظن له القول وطردنه من ذلك المكان .

أما خديجة ابنة خويلد رضي الله عنها فقد خفق قلبها في شدة , فحديث هذا اليهودي أهاج ذكرياتها , وأعاد إلى ذاكرتها شريط حلمها الذي ليس ببعيد ... انه أعاد إلى ذهنها حلمه الذي رأته ,وذلك الحديث الشجي العذب الذي دار بينها وبين ابن عمها ورقة بن نوفل , حول خاتم الأنبياء .

إن ذلك اليهودي ليس يهذي وليس بمجنون انه يعي ما يقول فقد أعلن على الملأ أن نبيا فرب وجوده , وهو يدعو من استطاعت من نسوة قريش أن تكون زوجا له ,و خديجة رأت في منامها أن الشمس هبطت من سماء مكة لتستقر في دارها ... أشياء كثيرة ازدحمت في ذهن خديجة ... أفكار تصارعت في مخيلتها .. تساءلت أن يكون ذلك كله عبثا ؟ كلا ورب هذا البيت ... إنها تحس في أغوار نفسها الصافية أن رؤياها ليست عبثية وان ما ذكره اليهودي ليس عبثا وان ما قصه عليها ورقة بن نوفل من بشارات في التوراة والإنجيل بالنبي المنتظر ليس عبثا أيضا بل ليس مصادفة إن ذلك كله مجموعا مجتمعا لا بد له من حقيقة ستكون في يوم من الأيام ساطعة .

ترى متى سيكون هذا اليوم ؟! يتبع