قسم تربية الأولاد

بعض الأسباب في انحراف الولد الخُلقي ، وانحلاله السلوكي

 

إليكم بعض الأسباب في انحراف الولد الخلقي، وانحلاله السلوكي:

- فالأب الذي يرخي لأولاده العنان في أن يخالطوا من قرناء السوء، ورفقاء الشر ما شاءوا وما أرادوا دونما سؤال ولا رقيب، فلا شك أن الأولاد سيتاثرون بمخالطتهم ويكتسبون الكثير من انحرافاتهم، وسوء أخلاقهم.

- والأب الذي يسمح لأولاده أن يشاهدوا الأفلام الغرامية التي توجه إلى الميوعة والانحلال، والأفلام البوليسية التي تحض على الانحراف والإجرام، وهي بتأثيرها تفسد الكبار فضلا عن الصغار، لا شك أن هذا الأب يقذف بأولاده - من حيث يشعر أو لا يشعر - إلى هاوية سحيقة ستؤدي بهم حتما إلى هلاك محقق، ودمار محتوم.

- والأب الذي يترك المجال لأولاده ليروا من شاشة التلفزيون المناظر المثيرة والتمثيليات الماجنة، والدعايات الفاجرة، لا شك أن الأولاد سيتربون على الميوعة، ويدرجون على الانحلال، ويفقدون في نفوسهم أنبل معاني الرجولة والنخوة، والأدب الإسلامي الكريم.

- والأب الذي يسمح لأولاده بشراء المجلات الماجنة، ومطالعة القصص الغرامية، واقتناء الصور العارية، لا شك أن الأولاد سيسيرون في طريق الفحشاء والمنكر، ويتلقنون دروس الصداقات المشبوهة، والارتباطات الجنسية الآثمة.

- والأب الذي يتساهل في حجاب أهله وبناته، ويتغاضى عن سفورهن وتبرجهن، ويتغافل عن مصاحبتهن ومخالطتهن، ويفسح لهن المجال في أن يخرجن بالأزياء المغرية، والعورات المكشوفة، لا شك في أن هؤلاء البنات سيعتدن حياة الفجور والمنكر، ويقعن في حبائل الغواية والفسوق، وربما آل الأمر في نهاية المطاف إلى انتهاك العرض، وتلويث الشرف، وهدر العفاف، وعندئذ لا ينفع الندم ولا البكاء.

أتبكي على لبنى وأنت قتلتها

لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع ؟

- والأب الذي لا يراقب أولاده وبناته وقت ذهابهم إلى المدرسة أو رجوعهم منها، فلا شك أن الأولاد يجدون من الإهمال ما يدفعهم إلى ارتياد الأماكن الموبوءة بحجة المدرسة، وكم سمعنا عن بنات وقعن في حبائل الفاحشة والزنا، وأصبحن مدنسات السمعة والشرف، والأسرة لم تعلم بهذا إلا بعد الافتضاح، وظهور معالم الجريمة.

- والأب الذي لا يلقي نظرة إلى مكتبة أولاده، ولا يرقبهم وهم مكبون على مكاتب الاجتهاد، فلا شك أن الأولاد إن كانوا سائرين في طريق الانحراف سيجدون أنفسهم مسوقين إلى أن يقتنوا من الصور العارية ما شاءوا، وأن يقرؤوا من المجلات الماجنة ما أرادوا، وأن يسطروا من الرسائل لعشيقاتهم ما أحبوا، دونما سؤال من رقيب ، أو محاسبة من ولي.

فلا شك أن الأولاد - وهم على هذه الحال - سيسيرون تدريجيا في طريق الميوعة والانحلال دونما وازع من دين ، أو محاسبة من ضمير، فيصعب عندئذ ردهم وإصلاحهم ومعالجتهم.

ومن المبادئ الخلقية التي يجب على الآباء والمربين أن يهتموا لها، ويحرصوا عليها، وينشؤوا أبناءهم على التحقق بها والتزامها هي تعويدهم على حسن الخلق’ وحسن الملاطفة والمعاملة للآخرين.

وإليكم - أيها الآباء والأولياء - جملة من أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه توجه إلى أفضل المكارم، وأحسن الأخلاق، وأقوم المعاملة:

- أخرج الإمام أحمد، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

- وأخرج ابن مردويه بسند حسن أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق، فتلا قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف:199].

ثم قال صلى الله عليه وسلم : «هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك».

- وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني ، فقال: «اتق الله حيثما كنت»، قال: زدني، قال: «أتبع السيئة الحسنة تمحها»، قال: زدني، قال: «خالق الناس بخلق حسن».

- وأخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً».

- وأخرج محمد بن نصر المروزي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه، فقال: يا رسول الله ما الدين ؟ قال: «حسن الخلق»، فأتاه من قبل يمينه، فقال يا رسول الله ما الدين؟ قال: «حسن الخلق»، ثم أتاه من قبل شماله، فقال: ما الدين ؟ فقال: «حسن الخلق»، ثم أتاه من ورائه، فقال: يا رسول الله ما الدين ؟ فالتفت إليه وقال: «أما تفقه ؟ هو أن لا تغضب».

هذا غيض من فيض مما وجه إليه رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه في الملاطفة الاجتماعية، والآداب السلوكية، حسن التعامل والخلق، فما على الآباء والمربين إلا أن يتحققوا بها، ويقيموا أنفسهم عليها، ليعطوا القدوة الحسنة، والأسوة الطيبة لكل من يلوذ بهم من أهل وولد، ثم عليهم بالتالي أن يلقنوا أولادهم هذه الآداب السلوكية، والملاطفة الاجتماعية، حتى يعفوا عمن ظلمهم، ويصلوا من قطعهم، ويعطوا من حرمهم، ويحسنوا إلى من أساء إليهم، وحتى يكونوا كذلك شامة في الناس، وملائكة يمشون على الأرض، وما ذاك إلا تنفيذ قول الله تبارك وتعالى:

(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف:199].

وقوله: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) [فصلت:35].

وقوله: (والكاظمين والغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) [آل عمران:134].

وإن شاء الله في بحثنا عن مسؤولية التربية النفسية، والتربية الاجتماعية سنفصل القول في الفضائل النفسية والخلقية التي يجب أن يتحلى بها الولد، وسيجد القارئ ما يشفي الغليل، ويروى الظمأ.

فيا أيها الآباء والأولياء والمربون !!!.

بعد الذي علمتموه من اهتمام الرسول صلوات الله وسلامه عليه من الناحية الخلقية في تربية أولادكم.

وبعد الذي عرفتموه من أن الأخلاق ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ في تقويم اعوجاج أبنائكم.

وبعد الذي قرأتموه من الظواهر القبيحة التي يجب أن يبتعد عنها أفلاذ أكبادكم.

وبعد الذي سمعتموه من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم في حسن الخلق، وطيب المعاملة.

بعد كل هذا...... فليس أمامكم من سبيل إلا أن تعقدوا العزم وتشحذوا الهمة، لتقوموا بواجبكم الأكمل تجاه من لهم عليكم حق التربية والتعليم والرعاية.

واعلموا أنكم إن قصرتم في حق أولادكم وتلامذتكم من الناحية الخلقية، فإن من لهم عليكم حق التربية سينشؤون - لا شك- على الميوعة والانحلال ويتربون على الفساد وسوء الخلق، وعندئذ يصبحون خطرا على الأمن والاستقرار، ويكونون أداه هدم وتخريب لكيان المجتمع، بل أبناء المجتمع يستجيرون من أعمالهم الإجرامية ومفاسدهم الخلقية والاجتماعية.

فراقبوا الله في أولادكم، وأدوا ما عليكم من واجب، وابذلوا ما استطعتم من جهد، واضطلعوا بما حملتم من مسؤولية، فإن أديتم الأمانة على الوجه الصحيح فسوف ترون أولادكم رياحين في البيت لها عبيق وأريج، وبدورا في المجتمع لها نور وضياء، وملائكة على الأرض يمشون هادين مطمئنين.

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) [التوبة: 105].