قسم تربية الأولاد

مسئولية التربية الخُلقية

إن ظاهرة الميوعة والانحلال من أقبح الظواهر التي تفشت بين أولاد المسلمين وبناتهم في هذا العصر الذي يلقب بالقرن الحادي والعشرين، فحيثما أجلت النظر تجد كثيراً من المراهقين والشباب والمراهقات والشابات، قد انساقوا وراء التقليد الأعمى، وانخرطوا في تيار الفساد والإباحية دون رادع من دين أو وازع من ضمير.

كأن الحياة في تصورهم عبارة عن متعة زائلة وشهوة هابطة ولذة محرمة، فإذا ما فاتهم هذا فعلى الدنيا السلام.

وقد ظن بعض ذوي العقول الفارغة أن آية النهوض، بالرقص الماجن، وعلامة التقدم، بالاختلاط الشائن ومقياس التجديد، بالتقليد الأعمى، فهؤلاء قد انهزموا من نفوسهم، وانهزموا من ذوات شخصياتهم وإرادتهم قبل أن ينهزموا في ميادين الكفاح والجهاد.

فترى الواحد من هؤلاء ليس له هم في الحياة إلا أن يتخنفس في مظهره، وأن يتخلع في مشيته، وأن يتميع في منطقه، وأن يبحث عن ساقطة مثله ليذبح رجولته عند قدمها، ويقتل شخصيته في التودد إليها، وهكذا يسير من فساد إلى فساد، ومن ميوعة على ميوعة، حتى يقع في نهاية المطاف في الهاوية التي فيها دماره وهلاكه.

ورحم الله الشاعر محمد إقبال حيث يقول:

كل من أهمل ذاتيته

فهو أولى الناس طراً بالفناء

لن يرى في الدهر شخصيته

كل من قلد عيش الغرباء

ولا شك أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد وضح للآباء والأولياء والمربين جميعاً المنهج العلمي، والمبادئ الصحيحة في تربية الولد على الخلق القويم، والشخصية الإسلامية المتميزة.

وإليكم أهم بنود هذا المنهج، وأميز هاتيك المبادئ:

1) التحذير من التشبه والتقليد الأعمى:

روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خالفوا المشركين: حفوا الشارب، وأعفوا اللحى)، وفي رواية لمسلم (جزوا الشارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس).

وروى الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى).

وفي رواية لأبي داود: (من تشبه بقوم فهو منهم).

وروى الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: (لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وغن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم).

وعليك - أيها القارئ - أن تميز بين أمرين فيما نأخذ من عند الأجانب وفيما ندع:

الأول: الجواز: وذلك استمداد العلم المفيد، والحضارة النافعة كعلم الطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، ووسائل الحرب، وحقائق المادة، وأسرار الذرة، وغيرها من الحضارات والعلوم النافعة لكونها تدخل في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وفي مضمون قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والعسكري القضاعي: (الحكمة ضالة كل حكيم، فإذا وجدها فهو أحق بها)، وفي عموم قوله تبارك وتعالى:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) [الأنفال:61].

الثاني: التحريم: وذلك في تقليد السلوك، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، وجميع المظاهر الأجنبية عنا، والأوضاع المنافية لخصائص أمتنا، ومقومات أخلاقنا.

لكونها تؤدي إلى فقدان الذات، وذوبان الشخصية، وهزيمة الروح والإرادة، ونكسة الفضيلة والأخلاق.

2) النهي عن الاستغراق في التنعم:

في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين المقيمين في بلاد فارس: إياكم والتنعم وزي أهل الشرك.

وفي رواية للإمام أحمد: ذروا التنعم وزي أهل العجم.

وروى الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: (إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين).

والمقصود بالتنعم هو الاستغراق الزائد في الملاذ والطيبات، والتقلب الدائم في النعيم والترف، ولا يخفى ما في هذه الظاهرة من إخلاد للراحة، وتقاعس عن واجب الدعوة والجهاد، وانزلاق في متاهات الميوعة والانحلال، وسبب لتفشي الأسقام والأمراض.

3) النهي عن الاستماع إلى الموسيقى والغناء الخليع:

روى الإمام أحمد بن حنبل ، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير، والمعازف، والخمور، والأوثان التي تعبد في الجاهلية).

وروى البخاري، وأحمد، وابن ماجه وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر، والمعازف).

وروى ابن عساكر في تاريخه، وابن صصري في أماليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (من قعد إلى قينة يستمع منها صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة)، والآنك: الرصاص المذاب.

وروى الترمذي عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع إلى صوت الروحانيين في الجنة).

ولا يخفى على كل ذي عقل وبصيرة ما في الاستماع إلى هذه المحرمات من أثر على أخلاق الولد، ومن جره إلى الترهل والفجور والمنكر، ومن انزلاقه في متاهات الشهوات والملذات.

ولابد في المناسبة أن نذكر كلمة عن حكم الإسلام في اقتناء الجهاز التلفزيوني، ليكون الآباء على بينة وهدى من أمرهم، وعلى علم في أمر حله أو تحريمه:

مما لا شك فيه أن اختراع هذه الوسائل الإعلامية من مذياع، وتلفزيون، وآلة تسجيل، وغيرها تعد من أرقى ما وصل إليه العقل البشري في العصر الحديث، بل من أعظم ما أنتجته الحضارة المادية في الوقت الحاضر، وإنها سلاح ذو حدين، تستعمل للخير، وتستعمل للشر، ولا يختلف اثنان أن هذه الاختراعات المذكورة إن استخدمت في الخير، ونشر العلم، وتثبيت العقيدة الإسلامية، وتدعيم الأخلاق الفاضلة، وربط الجيل الحاضر بأمجاده وتاريخه، وتوجيه الأمة إلى ما يصلحها في أمور دينها ودنياها، فلا يختلف اثنان في جواز اقتنائها واستعمالها، والاستفادة منها، والاستماع إليها، أما إذا استعملت لترسيخ الفساد والانحراف، ونشر الميوعة والانحلال، وتحويل الجيل الحاضر إلى طريق غير الإسلام، فلا يشك عاقل منصف يؤمن بالله واليوم الآخر بحرمة استعمالها، وإثم اقتنائها، ووزر من يستمع إليها .