وروى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله
وولده والناس أجمعين " . بلغ 4 /8/قصور
و
عقوبة الولد وهجرة لمصلحة تربوية :
مادام الولد صغيراً يعيش في كنف أبويه , ومادام في سن
التعليم بالأبوين والمريين ألا يتركوا وسيلة من وسائل
الإصلاح إلا سلكوها , ولا تقويم اعوجاجه وتهذيب وجدانه
وأخلاقه إلا نهجوها , حتى ينشأ الولد الإسلامي الكامل
, والأدب الاجتماعي الرفيع .
وللإسلام طريقته الخاصة في إصلاح الولد وتربيته ، فإن
كان ينفع معه بالوعظ . فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى
الهجر , وعن عجز عن جميع الوسائل ووعظاً , فلا بأس بعد
هذا أن يلجأ إلى الضرب غير المبرح , عسى أن يجد هذه
الوسيلة إصلاحاً لنفسه , وتقويماً لسلوكه واعوجابه ! !
.
وإليكم هذه المراحل في الإصلاح مستقاة في السنة
النبوية , وعمل بها لتعرفوا
_ أيها المربون _ طريقة الإسلام في الإصلاح , ومنهجة
في أما فيما يتعلق بتوجيه الولد ووعظه وملاطفته , فقد
روى البخاري وعمر ابن أبي سلمة رضي الله عنهما قال :
كنت غلاماً في حجر رسول وكانت يدي تطيش في الصفحة و
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا غلام وكل
بيمينك , وكل مما يليك " .
وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه : أن
رسول الله بشراب فشرب منه , وعن يمينه غلام , وعن
يساره أشياخ , فقال رسول الله صلى الله صلى الله عليه
وسلم " أتأذن لي أن أعطي هؤلاء " _ وهذه هي الملاطفة _
فقال الغلام : لا والله بنصيبي منك أحدًا , فتله رسول
الله صلى ابلله عليه وسلم في يده ( أي وضعه في يده ) .
. هو عبد الله بن عباس .
أما فيما يتعلق في هجر الولد : فقد روى البخاري ومسلم
عن أبي سعد رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن الخندق , وقال : " إنه لا يقتل الصيد ,
ولو ينكأ العدو , وإنه يفقأ العين , ويكسر السن " ,
وفي رواية : أن قريبًا لابن مغفل _ وكان دون الحلم _
حذف , فنهاه وقال : " إنها لا تصيد صيداً . . " ثم عاد
فقال : أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه
, ثم عدت تخذف ؟ لا أكلمك أبدًا ! ! .
أما فيما يتعلق بضرب الولد فقد روى أبو داود والحاكم
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع
سنين , واضربوهم عليها وهم أبناء عشر , وفرقوا بينهم
في المضاجع " .
وهذه المراحل في التأديب إذا كان الولد في سن الطفولة
والمراهقة .
وأما إن بلغ سن الشباب , وتدريج نحو الكبر , فإن
الطريقة في الإصلاح والتأديب تختلف .
فعندما لا ينفع مع الولد الإقناع والوعظ والإرشاد ,
فعلى المربي أن يلجأ إلى الهجر الدائم ما دام مصرًا
على فسقه وفجوره , وسادر في غيه وضلاله . .
وإليكم النصوص التي تثبت ذلك :
روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : أوثق عرى الإيمان : الموالاة
في الله , والمعادة في الله , والحب في الله والبغض في
الله " .
_ وروى البخاري _ في باب يجوز من الهجران لمن عصى _ :
. . . وقال كعب حين تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم
في تبوك : ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن
كلامنا , وذكر خمسين ليلة ) , حتى ضاقت عليهم الأرض
بما ربحت , وضاقت عليهم أنفسهم , ولم يكن أحد الناس
يكلمهم أو يحييهم أو يجالسهم , حتى أنزل الله في كتابه
توبته عليهم .
_ وقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم هجر بعض نسائه
شهرًا زجرًا لهن وتأديبًا .
_ وروى السيوطي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هجر
ابنا له إلى أن مات , لم ينقذ لحديث ذكره له أبوه عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى فيه الرجال أن
يمنعوا النساء من الذهاب إلى المساجد .
وهذا إذا انحرف وفسق وهو على الإيمان والإسلام , وأما
إذا ألحد وكفر وخرج عن المللة الإسلامية فالتبرؤ منه ,
والإعراض عنه , والمهرجان له من أبسط مقتقيات الإيمان
, ومن أظهر توجيهات القرآن الكريم .
وإليكم النصوص التي تثبت ذلك :
قال تعالى : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر
يوادون من حاد الله ورسوله , ولو كانوا آباءهم أو
أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) .
وقال اله سبحانه على لسان نوح عليه السلام :
( ونادى نوح ربه فقال : رب إن ابني من أهلي , وإن وعدك
الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال : يا نوح إنه ليس من
أهلك , إنه عمل غير صالح , فلا تسألن ما ليس لك به علم
, إني أعظك أن تكون من الجاهلين)
وقال الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام
:
( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن , قال : إني
جاعلك للناس إماماً , قال : ومن ذريتي , قال : لا ينال
عهدي الظالمين ) .
وقال سبحانه عن موقف إبراهيم من أبيه : ( وما كان
استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه , فلما
, تبين له أنه عدو لله تبرأ منه , إن إبراهيم لأواه
حليم ) .
من هذه النصوص وغيرها يتبين أن هجر الولد والقرابة . .
إن كانوا مصرين على الكفر فإن هجرهم من مستلزمات
العقيدة والإيمان , ذلك لأن الإسلام يعتبر رابطة
الأخوة الإسلامية فوق رابطة النسب ورابطة الأرض ورابطة
اللغة ورابطة الجنس ورابطة المصالح الاقتصادية . .
وشعاره في ذلك قوله تعالى :
( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم
وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها
ومساكن ترضونها ., أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في
سبيله فتبرصوا حتى يأتي الله بأمره , والله لا يهدي
القوم الفاسقين ) .
ومن المعلوم أن مبدأ الإسلام الذي لا يبتدل
( إنما المؤمنين إخوة ) .
وشعاره الذي لا يتغير:
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
فبأي حديث بعده يؤمنون
وبعد : فهذا الذي بيناه في هذا الفصل هو أهم المشاعر
النفسية , والعواطف القبيلة التي يجب أن تعتلج في نفوس
المربين , ولقد رأيت أن من هذه المشاعر ما هو فطري
متأصل في قلبي الأبوين , وفي نفسيهما , كمعاشر الحب
والحنان والعطف والرحمة , ولولاها لما انتظمت سنة
الكون في المحافظة على النوع الإنساني , ولولاها لما
اندفع الأبوان إلى الاهتمام بأولادهما , والعناية بهم
, والإنفاق عليهم , والقيام بتعليمهم وتربيتهم . .
ولولاها لما رأيت الأسرة مجتمعة الشمل , متماسكة
الكيان , راسخة البنيان .
ولقد رأيت أن من هذه المشاعر ما هو جاهلي ككراهية
البنات . . وقد مر معك أن الإسلام عالج هذه العادة
الجاهلية البغيضة بالإيمان الصحيح , والعقيدة الربانية
الراسخة , والتربية الإسلامية الفاضلة , لتكون نظرة
الأبوين إلى الإناث والذكور على حد سواء , ودون أن
يكون بينهما أي تمييز أو تفريق , تحقيقاً لمبدأ العدل
والمساواة . ولقد رأيت أن من هذه المشاعر ما هو مصلحي
كتغليب حب الجهاد والدعوة إلى الله , على حب الأهل
والولد . . ولقد مر معك أن مصلحة الإسلام هي فوق
المصالح الذاتية , والاعتبارات الشخصية فلا يمكن لأمة
الإسلام أن تصل إلى علياء النصر والمجد والقوة , إلا
بعد أن يكون حب الله ورسوله والجهاد في سبيله , فوق حب
الأهل والمال والولد والعشيرة والمسكن .
ولقد رأيت ان من هذه المشاعر ما هو تأديبي تربوي
كمناصحة الولد وزجره وهجره وعقوبته . . وقد مر معك أن
الإسلام تدرج في التأديب من الوعظ إلى الهجر إلى الضرب
غير المبرح , فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى الرشد إذا
كان ينفع الأخف وهذا غاية ما يسعى إليه الإسلام في
تأديب الأولاد , وتربيتهم , وأصلاح نفوسهم .
ألا فيعلم المربون ودعاة الإصلاح منهج الإسلام في
التربية , طريقته في الإصلاح , لينهجوا في تربية الجيل
نهجاًَ سليماً , ويسيروا في طريق الإصلاح الاجتماعي
سيراً سوياً . . وفي ذلك نقلة للجيل من بيئة الفساد
والانحراف , إلى حياة الطهر والكرامة والأخلاق . . ألا
بمثل ذلك فليعمل العاملون ! ! .