قسم تربية الأولاد

  
 

مسؤولية التربية الجنسية(2)

ذكر في العدد السابق أن مسؤولية التربية الجنسية تقوم على مراحل متتالية وفيها أبحاث تختص بكل مرحلة منها، وفصلنا الحديث حول أدب الاستئذان، وبدأنا الحديث عن آداب النظر فذكرنا منها: أدب النظر إلى المحارم، و أدب النظر إلى المخطوبة. فلنتابع بقية هذه الآداب:

(ج) أدب النظر إلى الزوجة:

فيجوز للزوج أن يرى من زوجته كل شيء بشهوة أو بغير شهوة.. لأنه لما جاز المس والجماع فلأن يجوز ما دونهما وهو النظر إلى جميع بدنها من باب أولى، والأصل في جواز الرؤية لكل شيء ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن معاوية بن حيدة قال:" قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".

وقال الله تعالى: ]والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين  [.

(د) أدب النظر إلى المرأة الأجنبية:

لا يجوز للرجل البالغ أن ينظر إلى امرأة أجنبية ولو كانت غير مشتهاة ولكن ما هي المرأة الأجنبية، وما هو الرجل الأجنبي؟

الرجل الأجنبي: هو من يحل للمرأة الزواج منه كابن عمها، وابن عمتها، وابن خالها، وابن خالتها، وزوج أختها، وزوج خالتها...

والمرأة الأجنبية: هي من يحل للرجل الزواج منها كابنة عمه، وابنة عمته، وابنة خاله، وابنة خالته، وزوجة أخيه، وزوجة عمه، وزوجة خاله، وأخت زوجته وعمتها وخالتها..

ويلحق بالرجل الصبي إن كان مراهقاً أو مميزاً يفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يجوز لأحدهما النظر إلى المرأة الأجنبية..

والأصل في تحريم النظر في قوله تبارك وتعالى: ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ۞ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ... [

أما الأحاديث:

ـ فقد روى الطبراني والحاكم، قال الحاكم: صحيح الإسناد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله  rفيما يرويه عن ربه عزو جل " النظرة سهم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه".

ـ وروى الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي r قال:   "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه"  

ـ وروى الشيخان.. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه"

ـ وروى مسلم والترمذي.. عن جرير رضي الله عنه قال: " سألت رسول الله r عن نظر الفجاءة فقال: اصرف بصرك".

وروى أبو داود والترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:" كنت عند رسول الله r وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم ـ وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب ـ فقال النبي r: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي r: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه".

فهذه النصوص تؤكد تأكيداً تاماً بما لا يقبل الجدل أن نظر الرجل إلى المرأة  الأجنبية حرام، وأن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي حرام أيضاً إذا كانا في مجلس واحد وترتب إلى النظر فتنة.

(ولا شك أن الغاية التي يهدف إليها الإسلام من غض البصر ـ كما يقول صاحب الظلال ـ هو إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه الغرائز في كل حين)

فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي بالإنسان إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي، والنظرة الخائنة، والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري.. كلها لا تصنع شيئاً إلا أن تهيج السعار الشهواني المجنون.. وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً وبقوة الطبيعة دون استثارة مصطنعة.

لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة البريئة والحديث الطلق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة ... شاع أن هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي وما وراءه من اندفاع غير مأمون.. ولكن نسي هؤلاء الذين يتمسكون بمثل هذه النظريات والأفكار أن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي، لأن الله سبحانه قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها، فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود، وإثارته في كل حين تزيد من عرامته، وتدفع إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة، فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة، وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرة.

فالنظرة تثير والحركة تثير والضحكة تثير والدعابة تثير، والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير.. (والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعة ثم يلبي تلية طبيعة عن طريق الزواج المشروع، وهذا هو المنهاج الذي اختاره الإسلام وارتضاه للجنس البشري ليتم له هدوءه النفسي، واستقراره الفكري، وراحته العصبية ورباطه السليم الذي يربط بين سائر أبناء الإنسان..)

وما أحسن ما قال بعضهم في استثارة النظر:

كل الحوادث مبداها من النظر                 ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فعلت في قلب صاحبها              فعل السهام بلا قوس ولا وتر

والمرء ما دام ذا عين يقلبها                   في أعين الغيد موقوف على خطر

يسرّ مقلته ما ضر مهجته                     لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

وصدق رسول الله r القائل ـ فيما يرويه الطبراني ـ " ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله"

(هـ) أدب نظر الرجل إلى الرجل:

لا يجوز أن ينظر الرجل إلى الرجل فيما بين سرته إلى ركبته سواء أكان الرجل المنظور إليه قريباً أم بعيداً وسواء أكان مسلماً أو كافراً..؟

أما ما عدا ذلك كالبطن والصدر.. فإنه يجوز إذا أمن الناظر الشهوة..

والأصل في حرمة هذا ما رواه مسلم عن النبي r أنه قال: " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة.."

وما رواه أحمد وأصحاب السنن: " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"

وأخرج الحاكم عنه عليه الصلاة والسلام: " ما بين السرة والركبة عورة"

وروى الحاكم أن النبي r رأى رجلاً مكشوف الفخذ، فقال له موجهاً ومرشداً: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" وفي رواية الترمذي: " الفخذ عورة".

فمن هذه النصوص يتبين:

أنه لا يجوز للرجل أن يكشف جزءاً من سرته إلى ركبته لا في رياضة، ولا في سباحة، ولا في تدريب، ولا في حمام .. وإن أمن الشهوة.. وإذا أمره أحد في كشف جزء من عورته فعليه ألا يطيعه للحديث: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

مطلب:

أما ما نسب إلى المالكية بأن العورة هي السوأتان فقط وما عدا السوأتان يجوز كشفه.. فهذا الادعاء غير صحيح بل هو من الجهل والتضليل.

إن العورة عند المالكية تقسم إلى قسمين:

1ـ عورة بالنسبة للصلاة.                     2ـ وعورة بالنسبة للنظر.

أما العورة بالنسبة للصلاة فتنقسم إلى قسمين:

عورة مغلظة: وهي السوأتان (القبل والدبر).

عورة مخففة: وهي ما بين السرة إلى الركبة.

ـ فالعورة المغلظة إذا كشفت في الصلاة تعاد الصلاة مطلقاً سواء أخرج وقتها أم لم يخرج.

ـ والعورة المخففة إذا كشفت في الصلاة تعاد في الوقت فقط، أما إذا خرج وقتها فلا تعاد.

أما العورة بالنسبة للنظر: فيحرم كشفها سواء أكانت مغلظة أم كانت مخففة.

ـ فعورة الرجل مع رجل آخر ما بين سرته إلى كبته.

ـ وعورة المرأة مع المرأة إذا كانتا مسلمتين ما بين السرة والركبة.

ـ وعورة المرأة المسلمة مع المرأة الكافرة كلها عورة ما عدا الوجه والكفان في قولٍ، وجميع بدنها في قول آخر.

ـ وعورة المرأة مع محارمها هي غير الوجه وغير اليدين وغير الرأس وغير العنق وغير ظهر القدمين.. أما ما عدا ذلك فهو عورة لا تحل النظر إليه...

فيتبين من هذا النص الفقهي المالكي أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم متفقون على أن عورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وبناء على هذا يحرم النظر فيما بينهما، ويحل النظر فيما عدا ذلك.