مقالات

الأيدي التي ستخفق على سواعدها راية لا إله إلا الله

بسم الله الرحمن الرحيم

كان الإسلام في بُدائته وليدا وديعاً، يَحْبو على ضفاف أفئدة المسلمين، يشق طريقه إلى مهجهم، فتتشربه أخبية عقولهم، ليستكن في قرارة نفوسهم، ثم لم يلبث أن شبَّ عن الطوق، فألهبَ القلوبَ الفتية حماسةً، وأنشب الأرواح الأبية شهامةً، وأذكى النفوس السخية بسالةً، وأوقد الأذهان المتألقة جزالةً.

لمثل هذه القلوب والأرواح، وتلك النفوس وعقول أهل الفلاح، عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم راية لا إله إلا الله، فَكَانَتْ راية عُبَيْدَةَ بن الحارثِ أَوّلَ رايةٍ عقَدها رسول الله صلى الله عليه وسلم

أعظم بها من رايةٍ ترفرف فوق الرؤوس، بعد أن خفقت بها دقات القلوب؛

أكرم بها من راية تلهج بذكرها ألسنة الخلائق، بعد أن نسجت خيوطها تضحيات الأكارم الأشاوس.

أستملت يد عبيدة الراية من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم استلام الوليد العطش لصدر أمِّه، وضمها إلى قلبه بيمناه، ضم الأرض الحنون لجذر نخله، و مضى بها وهو على الحفاظ عليها أشد حرصاً من الحفاظ على نفسه، وأن تعلو الرؤوس شاهقةً خفّاقةً أحب إليه من أن يندس في التراب ميتاً مخراقاً.

ثم توارثت هذه الراية أيدي الصحابة، وتناقلتها على نفس العزيمة والمكنة و الصلابة، إلى أن أمسكتها يمين مصعب بن عمير في أُحُدٍ، تلك اليمين المباركة التي قد نهلت صلابتها من معين تلك الراية، وأوقفت ريع قبضها وبسطها، رفعها وخفضها، عطائها ومنعها، عفوها وبطشها، أوقفت هذه اليمن المباركةُ ريع كل ذلك على خدمة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن كانت هذه صفة يمين مصعب حامل راية المسلمين في أُحُدٍ فكيف تراه تكون حقيقته؟!!!

إن مصعباً لم يكن لتتحصل له هذه اليمين المباركة، إلا بعد أن ترفع عن مغريات دار الغرور، بنظرة مشوقة منه لدار الحبور والسرور، إن مصعبَ الخير لم يرزق هذه اليمين المنيعة، إلا لما شق لها سبيل الطاعة، وسد عنها سعير المعصية.

توثَّبت روح مصعب شوقاً إلى القتال والشهادة، وثوب الأسد الضاري دفاعاً عن شبلٍ له حديث الوفادة والولادة، وانقض سيفه على حشود المشركين، انقضاض مخالب النسر تقتنص أجساد الدخلاء المعتدين، إلى أن كان ما كان من تخلف الرماة عن أوامره صلى الله عليه وسلم، وانكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم للغادرين، انكشاف اللؤلؤ النفيس للصوص المتمردين، وظن ابن قمئة أنه صلى الله عليه وسلم قد غدا لقمةً سائغةً لجوع سيفه الحاقد، إلا أنَّ حامل الراية كان له بالمرصاد جبلاً باسقاً حائلاً دون أن يبلغ عدو الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغه، لينشب بينهما قتالٌ ضارىٍ ونزالٌ حامىٍ، تلطخت من خلاله يد بن قمئة القذرة، بدماء مصعب الطاهرة الزكية العطرة، فانفصل سيف الغدر عن يمين مصعب بعد أن جذها وقطعها، كما تقتطع الزهرة الرشيقة من أكمامها الزكية العتيقة، فما كان من مصعب الخير، غير أن أسلم يمنيه إلى الأرض تتمخض بدمائها، وأسلم الراية إلى يسراه ترفرف بسمائها.

عاود بن قمئة الكرَّة على مصعب بعد أن غدا الأخير أعزل عن السيف، متجردا عن كل شيء، إلا عن لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث بقيت خفاقة بشماله وبكل ذرة من ذرات دمائه، اقتطع السيف الحاقد شمال مصعب، ليغدو الشاب الأورق فاقد الذراعين!! وكادت الراية المعقودة لأجله أن تتهاوى إلى الأرض، لولا أن هذا المشهد، قد غيب عن مصعب آماله، وأزاح عنه أحزانه وآلامه، فتوحد لديه الهم واستمجع في ذهنه العزم، على أن لا يدع راية المسلمين تلامس الأرض وفيه عرق ينبض، فتشبث بها بكلتا عضديه، وصار الجهدُ منه أنْ لا يفرِّط في راية عقدتها له أنامل الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم، وليكن ما يكن بعد ذلك .

استمر مصعب على ثباته، إلى أن أتته عطية الله ومنحته الجليلة، على يد ذلك الفاجر الفاسق، لتكون له ضربة السعد التي لطالما حلم بها، وصَبَتْ نفسه إلى تحقيقها، فخرَّ صريع الراية، وأسلم روحه الطاهرة إلى بارئها، وسقطت الراية على الأرض، ليلتقطها شبل آخر من أشبال محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي مؤتة بَعَثَ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم بعثا، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقَال: إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النّاسِ ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَر،ٌ فَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رواحة على النّاس.

فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تلجلج بدمائه ومزَّقت رماح الروم جسده، وغادرت الروح مخدعها محلقة إلى بارئها!!!فأَخَذ الراية جعفر وقاتل بها حتى قطعت يمينه، فأخذها بشماله فقُطِعَت، فاحتضنها بعضديهِ حتى قُتلَ، ثم أخذها ابنُ رواحة ، ثم تقدم بها و قَاتل حتى قُتلَ، فَاصطلح النّاسُ على خالد بن الوليد.

وتناقلت تلك القلوب والعقول والأرواح والميامن المباركة رايةَ التوحيد عبر الأجيال، دون أن يعتريها سقوط أو أن يصيب شموخ عزتها أفول، ثم ورثها قوم أضاعوا الصلاة التي هي مرمى من مراميها، واتبعوا الشهوات التي هي حزب من مُعاديها، فخذلت تضحياتُ الأوائل تفريطاتُ الأواخر،

ما ضرَّ الأوائل سقوط الراية على أرض الوغى للحظات معدودة، بعد أن بقيت خفّاقةً محمولةً على عاتق كل ذرةٍ من ذرات أجسادهم، مرفرفةً عند كل خفقةٍ من خفقات قلوبهم، ليس المجزع المهلك في سقوط قطعة قماش على الأرض لبرهة وجيزة، ولكن المؤلم المهلك أن تسقط معاني هذه الراية من أفئدة حامليها.

إنَّ مقتل المسلمين لم يكن يوما بقتل حامل لوائهم، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم غدا أهلاً لأن يحمل تلك الراية، ولكن مقتلهم كان لما تناسوا الحقوق والواجبات التي تمليها عليهم مقتضيات تلك الراية .

كان ضياع هيبة المسلمين، حينما غضوا الطرف، وأصموا السمع، وضربوا على قلوبهم أقفال الغفلة والهجران للتعاليم التي غذتهم بها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

أو ليست هذه الراية هي التي لمت شعثهم بعد فرقة، ووحدت كلمتهم وعرفتهم أنفسهم بعد ما كانوا في ضياع وغربة.

فيا أيها الأخ الكريم: ألم يأن لك أن ترفع هذه الراية بين حنايا أضلاعك، وتُنشِّأها نشأتها داخل نفسك ووجدانك.

لن تخفق راية الإسلام على ذرى هذه البسيطة، إلا برجال قد غذّو أجسادهم من جنى مغازيها، ورووا صدى مهجهم من شهد معاليها، وضبطوا تطلعات نفوسهم بقيود قوافيها، وقدحوا أفكار عقولهم من عطاء سواقيها.

لن يسطلح أمر الأواخر، إلا بالرجوع لما مضى عليه نهج الأوئل، وإنما كان نهج الأوئل إسلامٌ، فإيمانٌ، فإحسانٌ، إذعانٌ لله، فتطبيقٌ لنهج كتابه، وصبرٌ على إيذاء الجهال من عباده، واقتداءٌ بهدي نبيه صفيه ومختاره، ومن ثم كانت الرايات تعقد والجهاد لإعلاء كلمة الله يراد ويقصد.

وهذا هو مفترق مابين السلف وبعض الخلف، الذين تشوفوا لرفع راية لإله إلا الله، لتخفق فوق البلاد قبل أن يغرسوا فسيلتها في سويداء قلوب العباد، وليس لي في هذا العرض غرض لصرف الإخوة عن الجهاد، لأن اليقين التام أن ما أخذ بسلاح القوة، لن يسترد إلا بالجهاد والفتوة  المقترنين بالإقلاع عن الذنوب، والاصطلاح مع الله علام الغيوب، والأوبة إليه والتذلل بين يديه، والصدق والأمانة والإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،فعلى أيدي الحاملين لهذه الصفات، ستخفق راية الإسلام، وتحرر الأراضي ويحل الأمن والسلام.