|
مقالات
عهود
تنتظر منا الوفاء
كثيرة هي الخطوب التي تنتهض بركاب الشارد على منهاج
الصواب بعد أن جالت به مسالكُ التيه والضياع وما
أكثرها من عهود إلهية تقتطعها منا مخالب المحن أو
تنتزعها منا لطائف المنن فإذ بأنفسنا تتعهد الاستقامة
منهجا وتتخذ من التقى والصلاح معلما ولكن ما إن تنقشع
سحابة الابتلاء أو تذوب النفس في مشارع الملذات إذا
بالأهواء تتصيدنا وعقدة العهود تنحل عنا شيئا فشيئا
وكأن أمرا مع الله لم يعقد وصلحا فيما بيننا لم يضرب و
يبرم ولهذا المعنى ضرب الله للناس الأمثال فقال ( هُوَ
الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا
رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ
أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ
يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ
إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)
وقال جل من قائل
( فلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا
لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا
جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى
اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)الأعراف
إن المؤمن إذا انتهى من ترداد هذه الآيات استشعر منها
نسيجا متآلفا وحزاما مترابطا يشد به وثاق تلك العهود
ليحبس عنها التفلت والضياع
فإن كان ذلك كذلك ألا ينبغ لكل منا أن يجلس ونفسه
مستذكرا للعهود التي أبرمها مع ربه ثم ضيعها فيستجمعها
وكاء ذهنه ساعيا العمل بمقتضاها
فإن قام كل أحد منا بهذا أتراه يستذكرها كلها أم أن
قدم العهد بينه وبينها سينسيه منها ما ينسي وكثرتها
وتراكمها سيجعل البعض منها هداما للبعض
ولئن وفق فادكرها أتراه يعلم من أيها يكون البدأ
أ تراه يكون منه اطلاع وتذكار لعهد هو الأصل والجذر
الذي استنبتت منه تلك العهود
حيث إن الله تعالى وفي عالم الحقيقة الذي لا يقصينا
عنه إلا تهالك الزمان، وفي مكان بعيد عن ضوضاء المدنية
وصخبها، وعن كثافة المادة وحجبها، في العالم العلوي
المقدس الذي لم تدنسه بعد مخالب الطغيان، ولم تعبث به
يد المجون والعصيان،
قي ذلك العالم الرخي الندي، الصفي النقي، خلق الله آدم
و قد أخذ من ظهر ه ذريته () وهي في عالم
الروح اللطيف في لحظات قربها من الحق تعالى وأسمعها
خطابا حلوا من لدنه خطابا نديا تتراقص له أطياف
الأرواح خطاب الفطرة التي سيفطر العباد عليها خطاب عذب
بلا حروف مفهوم بلا أصوات طروب بلا إيقاع فقال ألست
بربكم فقالوا بلى دون أن تتنكر الأرواح لبارئها وأن
لها ذلك وقد فطرت على حب المنعم وحب المبدع والمحسن
وأي نعيم أقدس من نعيم أنها سر من أسرار خالقها أي
إحسان أتم من أن هذا الخالق العظيم المستغن عن جميع
خلقه قد أوجدها بعد أن كانت عدما محضا وصيرها بشرا
سويا في أحسن تقويم
إن هذا الخطاب الإلهي لهو العهد المبرم بين الفطرة
وخالقها بين النسمة وبارئها. ميثاق غليظ مستقر في
كياننا ، مودع في كل خلية من خلايا جسمنا
. ، .هذا العهد أخذ على كل نسمة هي كائنة إلى يوم
القيامة ولما كانت هذه النسمات لم تتلطخ منها الفطرة
بأدناس الذنوب أضحت مؤمنة للخالق العليم مستسلمة لحكمه
راكنة لأمره
ومضى الزمان يشق طريقه عبر جنبات الوجود وانتشرت على
جانبيه أفانين البشر وبدأ ذلك العهد الإيماني المقرر
لمعاني التوحيد الذي يضع العبد إيذاء عبودية مسؤلا عن
تصرفاته بدأ ذلك العهد يغيب عن ساحة العقول شيئا فشيئا
سوى أن ربنا الرحيم لم يقم علينا الحجة بناء على عهده
القديم بل أرسل الرسل منذرين مذكرين بذلك العهد ومرت
السنون وزفة للبشرية لطائفُ ربنا وعظائم مننه نبينا
محمدا صلى الله عليه وسلم فتلى علينا ذلك العهد بلسان
عربي مبين وبقول فصل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه فقال ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي
آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ))
وكأن الحق ينادي كل ذرة من ذراة وجودنا أي عبدي كيف
تتنكر لي فتعصيني وأنت الذي شهدت لي بالربوبية وأقررت
لنفسك بالقيام بحق العبودية عبدي إياك أن تأتي إلي يوم
القيامة وقد ضيعت العهد المضروب بيننا فتأتيني في ذلك
اليوم وقد أثقِل منك الكاهل بأدناس الذنوب أو تجيئني
بحجج واهية ملفقة مدعيا : أنك غفلت عن كتابي ورسلي
الهادين الداعين إلى التوحيد .أو تقول : إنني خرجت إلى
هذا الوجود ، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي
سبيل لمعرفة التوحيد . إنما ضل آبائي فضللت فهم
المسؤلون وحدهم ولست بالمسؤول. أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
(172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا
مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ
أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)
الأعراف.
وانصرمت الأيام وأتى الزمان الذي ضيع فيه العهد واتبعت
فيه الشهوات تركت فيه الصلاة وأتيت فيه المنكرات ضيع
عن النفس صفاؤها ونقاؤها ضيعت منها فطرتها التي حافظت
على العهد من حينه إلى هذا اليوم سلبت منها صلتها
المحكمة ببارئها سبحانه وتعالى وحُلَّت منها عقدة
الميثاق الكبير فتفلتت عنها عروة الإيمان الوثقى
بين حنايا هذا الواقع المرير ألم يأن لكل منا أن يأتي
في ساعة أنسه وخلوته وقد خلع عنه حواجز الزمان ونزع
منه حجب الاعتياد وزحزح عنه كثافة المادة وغلظتها
فيأتي في تلك الساعة وقد تحرر من كل الحواجز والقيود
فياتي ساحة العبودية بقلب منيب وسمع سليم فيستمع إلى
قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ
مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا
إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا
ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا
فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) فيجعل منه اللسان والجنان
والجوارح وصالح الأعمال تقول : شهدنا لك ربي بكمال
الربوبية وألزمنا أنفسنا القيام بحق العبودية لا نقيل
ولا نستقيل
|