مقالات

صنع للأقصى منبرا ً فما الذي صنعناه لأقصانا

إنَّ عصراً انحدر فيه المسلمون إلى الدرك الأسفل منَ الغواية، وتاهوا ضياعاً وفرقةً عن نهج الهدايةِ، جهلٌ يعمُّ جموعهم، وفرقةٌ تقتطعهم عن قانون السلامة الذي نَصَّبه الله لضمان وحدتهم، ولم شعثهم، وجمع شتاتهم: (( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ )) فوضعوا ذلك القانون على رفوف مكاتبهم، وأقصوه عن واقعهم ومعاشهم، فغدا كل أمير يعلن استقلال مقطوعته الصغيرة عن جسد الدولة الإسلامية، وانتشرت بينهم الموبقات وانحسرت عنهم القربات، فسلط الله عليهم الحقد الصليبي، يزحف على ربوع الدولة الإسلامية يجتثها عن جسدها الواهن الضعيف، بعد أن جعل بيت المقدس مرتكزاً له وتنزلاً لكيده وبؤرةً لمكرهِ

هيأ الله نور الدين الزنكي وقد أودع في قلبه من علية خصال الخير ما أودع، وغدا عنده تحرير الأقصى همٌ تلتئم أمام عظمته بقية الهموم، فأراد أن يستثير همته وهمت المسلمين، ويرقى بهم إلى النظرة البعيدة التي تُخَوِّلُ ناظرها دخول القدس فاتحا محرراً لذا أمر النَّجار الحلبي ببناء منبر يحمله الجند وينتقلون به في معاركهم، ليزفوه أخيراً هديةً طيبةً للمسجد الأقصى.

مات نور الدين، وورثه صلاح الدين بالهم الغالي والخلق الرفيع العالي، فابتعث العلم وائداً به الجهل، ونشر الفضيلة التي أفنت بدورها وخامة الرزيلة، وتم الفتح وحُرر القدسُ على سواعد رجالٍ مهما حُبرت الأقلامُ وسُطرت الرقاع لتكتب مثل تلك التّضحيات لما اسطاعوا أن يكتبوها وما استطاعوا لها حصراً وفتحت القدس ثالث الحرمين ووصل المنبر إلى موطن إبراهيم، ومقام موسى، ومهد عيسى، ومعبد سليمان ومسرى محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وبقي ذلك المنبر نبراساً ودليلاً يشعُ للأجيالِ المتلاحقة قبسَ هدايةٍ، تُبَصِّرهُم حقيقة النية الصالحة والإرادة الصلدة الباسلة، اللتين لا يصدهما صّادٌ ولا يحول دون بلوغهما الغاية حائلٌ كالماء الغزير الزاحف، والبركان العنيف الثائر، أنّى لأحد إيقافهما.

تنعم المسلمون بعودة جباهم ساجدة على ثرى بيت المقدس، وأتت السنين التي أنستنا نعمةَ الفتح المبين، وحطت بنا مستنقع الذُل والتقاعس بعد أن رفعتنا عنهما تضحيات حطين، فإذا بحفنة يهودٍ لا أرض لهم ولا أصل يستجمعون ذواتهم النجسة على ذرى أقصانا الطاهر، ممتطين صهوة ضعفنا، ممسكين خطام تخاذلنا، فإذا بفرقتهم وشتات قلوبهم نتوهمها جمعاً وإذا بفتنهم وفساد أخلاقهم نظنه تقدماً، ومضوا بمخططاتهم لتهويد القدس وتدمير أقصانا، فأحرقوه وأحرقوا ذلك المنبر!! واهمين أنهم فصموا بحرق المنبر العرى الوثقى التي تربطنا وتذكرنا بنور الدين وصلاح الدين، وما علم أولئك الحمقى أنهم لم ولن يستطيعوا قطعنا عن أقصانا، إلا باجتثاث قرآننا، فهو الذي صنع من نور الدين وصلاح الدين والسيد قطز البطولة، وهو الذي غرس بين حنايا أضلاعهم فسيلة الفضيلة، و واقتلع من سويداء قلوبهم علقة الرذيلة، وهو القادر على أن يجند الآلاف بل والملايين من زمرة أولئك الرجال، إن نحن سمعناه بأذن واعية، نعم مهما عظم منهم المكر ورغى في قلوبهم الحقد لن ينسونا أن لنا أجدادا قد قطَّعوا نياط قلوبهم واقتلعوا أوداج نحورهم، لما استمسكوا بهذا الكتاب العظيم المحفوظ من الله العلي القدير، فهم وإن أحرقوا منبر نور الدين الشهيد، بهدف قطع الصلة بأقصانا، فماهم صانعون بقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) مقرعاً لآذان المؤمنين موبخاً منهم التائهين الذين ألهتم شهواتهم عن السعي لتحريره، لا تزال هذه الآية تذكاراً للمؤمنين أنََّ لهم بيتاً مباركاً مغصوباً ونزلاً كريماً محجوباً، لا تزال هذه الآية حمَّالةً لوخذات ضمائرهم، منبهة لغفلات مشاعرهم.

فيا إخوتي في الله لئن كان نور الدين قد أشعل خمودَ الهمم وألهب برودة الذِّمم لما صنع لأقصانا الحبيب منبراً، فما عسانا صنعنا لأقصانا؟!! أصنعنا له صنعياً يرضي الله ورسوله، أم أننا قدمنا له الغفلة ووهبنا له النسيان، وسرحنا الطرف وصممنا الأذن وحبسنا اللسان عن مكر السوء، الذي كان يحاك له على خيوط العتمة وينسج بيد الخفاء، واليوم هذا المكر يحاك على وضح من النّهار ومرأى أعيننا ومسمع آذاننا!!!

فما بلنا لا نحن لأقصانا الذي لا يحول فيما بيننا وبينه سوى شرزمة من يهود؟! ما بلنا لا نلتفت نحو النصر المبين والتحرير العظيم وقد وعدنا به الله ورسوله؟! ما بالها لا تُشحذُ فينا الآمال وتتشوف لدينا الأفكار وتَطَّلِعُ منَّا الأنفس لذلك اليوم، الذي ندخل به الأقصى فاتحين، مهللين، مكبرين. وإلا.... فلا أقل من تصحيح للنية، وتحسين للطوية، وتحقيقٍ للهوية، وجمعٍ للشتات، وتحريرٍ للذات من رق الشهوات، وشروعٍ فيما استنهضنا به ربنا من شديد الالتجاء إليه، والتضرع بين يديهِ لنردد بقلب وقيدٍ حيي الخفقات، ويدين مبسوطتين مستشعرتين الذل والانكسار، ولسان ندي عذب العبارات، وطرف سخي خفير النظرات: اللهم أعد إلينا أقصانا بأيادٍ هي أيادينا وبصدق غرسته فينا