مقالات

صاحب النقب

بسم الله الرحمن الرحيم

أبينا إلا أن نكون رؤوسا فأين نحن منك يا صاحب النقب

إنَّ حلماً لطالما راود الدُّعاةَ إلى الله تعالى ودغدغ أرواحهم وخالط بشاشة قلوبهم هو ذلك اليوم الذي تنتشر فيه تعاليم هذا الدين فتنثرُ على ربوع الأرض أطياف الأنس والسرور وتتوازعُ أصوات المؤذنين البسيطة بأسرها وتصطبغ الخلائق بصبغة الله التي لن تستحسن العقول السليمة ولن تقر النفوس الكريمة بصبغة غير تلك الصبغة مهما زينها المتفننون ودعا إليها المتفيهقون

ولكم حاولت أن لا أكون ذلك المتسلل إلى أولئك الحالمين فأعبث بأحلامهم وأوقظهم من وهادهم فيكون مرد أمرهم إلى واقع مرير محزن نتجرع من ويلاته غصاصات الأسى ونتذوق من مخازيه طعمة الأحزان أمّا الحلم الجميل الذي نتغنى به ونتشدق بأحاديثه أناء الليل وأطراف النهار فهو لا يعدو الحلم وما أصعب أن يصير الحلم العذب إلى واقع يرتوي منه العطش الصادي وينتعش له الفؤاد القاسي ما لم يتبع بالعمل الجاد والجهد الدؤب وأما الواقع المرير الذي آلمتنا وغزاته فهو أن السادة الدعاة إلى الله قد تشعبوا فرقا وتحزبوا طوائف وغدو شيعا مجزأة كل يعمل على طريقته ويمشي على سيرته راضيا قانعا بمسيرته والسبب فيما نحن فيه ههانا أمران الأول قلة الإخلاص والثاني أننا الدعاة إلى الله أبينا إلا أن نكون رؤوسا أعلاما مما حدا بنا إلى تجزئة المجزئ وتقسيم المقسم لا لشيء ولكن ليستوعب المحل رأسا جديدا يكون هو فيه الآمر الناهي يغدو المخطط المدبر فتنتهي إليه كل النجاحات ويشار إليه بالبنان هذا هو ملخص التلخيص لواقعنا المرير الذي لن نستطيع أن ننتزع منه مرارته إلا إذا ما تعرفنا سيرة السلف وسرنا على خطى مسيرهم ففي أيام السلف الخيرة استعصى حصن على مسلمة بن عبد الملك وأبت أبوابه الموصدة أن تنفتح أمام الهدي النبوي فغدت السد الحائل دون نشر الدعوة وإبلاغها أهل ذلك الحصن مرر مسلمة نظراته الثاقبة مفتشا عن ثغر تخترق من خلاله جنود الله الحصن فارتد إليه البصر وقد ظفر بنقب بزاوية من زوايا ذلك الحصن وقف على صهوة فرسه و صاح من رجل يقتحم هذا النقب فما أجابه أحد حتى إذا نادى الثالثة تقدم رجل احتجب وجهه داخل اللثام احتجاب قرص الشمس وسط الغمام ودخل النقب وأفزع العدو في مأمنهم وزعزع جموعهم في مكان انتظامهم وفتح أبواب الحصن المنيعة عن حد السيف وصلابة الرمح الذليلة أمام الإيمان الضعيفة عن تفادي قوة الإخلاص انجلت غبار المعركة التي أخفت بين ذراتها صاحب النقب. تلفت مسلمة ميمنة الجيش وميسرته باحثا بلحظيه عن هذا الفارس الذي تلقت الشجاعة منه دروسها فلم يلفي له أثرا نادى بأعلى صوته أين أنت يا صاحب النقب أين أنت يا صاحب النقب إلا أن أحدا لم يحرك ساكنا فقال مسلمة أقسمت عليك يا صاحب النقب إلا أتيتني في خيمتي وبعد انقطاع أشعة الشمس عن الأرض وعند عسيس الليل الآخر اقترب رجل أشعث أغبر من خيمة مسلمة بخطوات مترددة واستأذن بالدخول عليه متعللا بأنه على علم بصاحب النقب ، فأذن له فقال له الرجل :إن صاحب النقب يأخذ عليكم الأيمان أنه إذا ما عرَّفكم بنفسه فلا تطلعوا الخليفة على أمره ولا تأمروا له بالعطايا ولا تسألوه عن اسم قبيلته فضلا عن اسمه دهش مسلمة من هذه الشروط العجيبة لصاحب النقب وازداد شوقا لرؤياه ولم يسعه من أمره إلا الموافقة عليها قائلا : فذاك له. قال: أنا صاحب النقب. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.

إن صاحب النقب هذا وغيره الكثير لخير من يحتذى به ليقود مسيرة الإخلاص لله تعالى ويعلم الدعاة أن الكياسة والبذل والعطاء والتضحية لا تكون في التصدر وإظهار المحاسن إنما هي عند الذين يحرصون على إخفاء الأعمال بعد تحسينها وتجويدها وأنها عند أولئك الذين يفضلون العمل وراء الستار ذلك الستار الذي أبينا إلا أن نمزقه بنصل نفوسنا التي أبت علينا إلا حب الظهور ذلك الستار الذي عمل تحته صاحب النقب عملا عجزت عنه عصبة الرجال ولما أتته الشهرة وحطت عند ركاب نعله مراودة له عن كشف الستار عن صالح الأعمال ركلها كما تركل المرأة بعفافها وساوس مراوديها عن كشف مفاتنها، ركلها قائلا إليك عني فإن أصحاب محمدا كانوا يتواجدون عند الملمات والمخاطر ويختفون عند الأعطيات و الغنائم ربما تشوفت منه النفس وتطلعت نحو الشهرة والظهور إلا أنه كبح جماحها لما صَبَ لخفقات قلبه وهي تقرر معاني التوحيد الخالص لله تعالى فلنجعل القلوب منا تصغي للقلب منه وهو يناجي ربه والشهرة تطلبه وتناديه هيت لك فإذا بخفقاته الخائفة الوجلة تحجبه عن مسلمة وجنده بل عن أمير المؤمنين نفسه بل عن الكون بما فيه لتستحيل به إلى نجي لربه رقيب على نفسه مقررة أبدع الكلمات بألطف العبارات : أيرضك ربي هذا الصنيع الذي لم أخاطر بنفسي فيه إلا لوجهك أيرضيك أنني لم أجعل لهذا العمل اطلاعا لأحد من خلقك ليكون بأكمله لك أنت وحدك أيرضك سيدي أنني في ساعة المغرم كنت المتقدم المتصدر ولحظة المغنم الفاني كنت المتقاعس المستدبر مادام شعاري هو خدمة دينك وإعلاء كلمتك فلا ضير علي إن كنت الجندي المغمور بين جنودك أم السلطان المؤتمن على رعيتك إذ أنا في كليهما العبد الخادم المحب

إنه لمن اليسر بمكان أن يقوم أحدنا خطيبا يدير بين فكيه أحاديث الإخلاص ثم يبتلع ريقه ويستجمع أنفاسه ويتابع بكلام لبق عليه ما عليه من الحلاوة وله ماله من الطلاوة قصة صاحب النقب ولكن الصعب الذي ينبغي أن تتصدر لأجله جهابذة الرجال أن يصنعوا من أنفسهم صاحب النقب

إننا اليوم نعيش في وعكة صحية تأبى علينا العمل تحت لواء إخواننا والانضواء تحت راياتهم وعلاج سقمنا هو الترحم عليك يا صاحب النقب بعد الأخذ بنهجك والسير على سيرتك التي نأيت بها عن حب الشهرة والقيادة و والمناصب وقراءة صالح الأعمال أمام الأخوة والخلان مما على بك على الرتب العوالي حتى أبى الخليفة مسلمة إلا أن يترك الجاه والمنصب ويتناساهما ويتلفت بقلبه نحو بارئه سائلا إياه بكفي الذل والمسكنة وقد خنقته العبرة وأدركته الفكرة : اللهم احشر عبدك مسلمة مع صاحب النقب ..........