مقالات

شتمت الشباب لأنهم تحرشوا بها

بسم الله الرحمن الرحيم

جعلت أخت الفضيلة تذكر من الشباب قلَّة الحياء، وتشتم فيهم ضعف الأخلاق، وتشكو منهم تبذل الصفات، وقالت: كلّما يممتُ وجهي شطر جهة تجمع حولي صنوف الشباب، وجعلوا يصفقون لأجلي، ويعتجبون جمالي، و يغامزون شبابي، ويتضاحكون لي كما تتضاحك بلابل الفيافي لإقحوانة صفت لها الألوان، وذكت منها الأكوان، فيا عجبا لوقاحة الشباب، تركوا كل المشاغل وعكفوا على الاشتغال بي، وسرحوا ألحاظهم عن جميل خلق الله في الطبيعة ليثبتوها علي.

تناثرت هذه المقولة من فمها وانحدرت وهبطت على الهبوط الذي فيها، لتدخل أذن صبي في الحادية عشر من العمر، رفع رأسه للأعلى وجال منه البصر يحملق بأخت الفضيلة، فإذا الثياب التي عليها أصح ما توصف به أنها؟ كلا ثياب، وأما وجهها لكثرة الأصبغة والطلاء غد أطلالا عفا على رسمها التراب. وكبر الصبي وفي أحد الأيام تردد في أذنه صدى تلك المقولة التي منذ سمعها للوهلة الأولى، استشعر فيها وفي صاحبتها كثيرا من المغالطات، وأراد حينها أن يرد عليها بعبارات كبيرة على صغر سنه، دقيقة على قلة علمه، غير أن الخوف ألجم منه اللسان، والحياء الصبياني اقتطع عن فمه البيان، نعم دار الزمن دورته واستذكر الصبي مقولتها وقال في نفسه: لئن فات لساني شرفُ الردِّ عليها في زمن الصبا، فلن يفوتني ذلك وأنا في سن الشباب

أيا أخت الفضيلة التي تـنصلت منها أختها: أمّا خداعك لنا بأن هذه التحرشات جعلت منك امرأة غضوب فإنه لفرية اختلقها لسانك الكذوب، حيث لا يخفا على ذي عقل وبصيرة أنه ما حملك على ما حملت نفسك عليه، من إبداء ما ادعيتها زورا أنها المحاسن ـ ونبه الشرع على أن إبداءها لغير أهلها إن هي إلا عين القبائح والمساوئ ـ فما حملك على هذا الأمر إلا تشوف نفسك المريضة، وتطلعها لمثل هذه المشاكسات، فإن الواحدة منكنَّ إن احتشمتها عين رجل عفيف طاهر نقي، وترفعت عنها نظرات شاب حصين صفي، فهي أبدا في ضيق تتردد، وألم تتوجع، بينما لو تعرض لها معترض سفيه، تراها أظهرت من وجهها الغضب وقلبها يقول هلمَّ إليَّ، تراها أشاحت ببصرها عنه، وتعلقت نفسها بكل شيء منه!!!فهو مرض عضال اجتاح منك الضمير وأوجع لك القلب قررت نفسك تطبيب المرض فوجدتِ الحياءَ فيك أوهنه الفسادُ واستحكمه الداء، أشارت عليك جهلا بتر ذلك الحياء، موهمة إيَّاك أنَّ فيه الشِّفاء لبقية الأعضاء، قبحها الله من نصيحة وغفر الله لمستنصح نفسه، حيث ترك شرع ربنا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور الشرع الذي و لج إلى خصائص خصائصنا وعرف خفايا أخفيتنا، ووضع إذاء كلِّ داءٍ الدَّواء المناسب له تركتِ ذلك الشَّرع الحنيف وأنصتِّ لإملاآت الأهواء و تشهيات الأنفس، فكانت النتيجة يا أخت الفضيلة إذعانك لنصيحة النفس وفصمت عن جسدك حواجز الحياء ذلك الثوب الفطري الذي تزهو فيه الفتاة، فإذا بالوقار يتلألأ على جسدها تلألأ القمر على صفحة الماء، وأخوه البهاء يعتلي صروح وجهها، فيزيد في جماله جمالاً من معنى آخر، الحياء الذي إذا ما نما في قلب الفتاة وترعرع بين أضلعها، أخضعت الناظر إليها وأرغمته على أن يحترم فيها أمران: معنى الأنوثة الفطري ومعنى التمنع والترفع عن زلات الشقاء، إذ كل ممنوع هو عزيز مطلوب، وكل مبذول خسيس مذلول، الحياء الذي بترته عنك يا أخت الفضلة أسقطك سقطتان الأولى في أعين الرجال، والثانية من أعينهم، ففي أولاهما لاكتك تلك الأعين الجائعة كما تلاك اللقمة، وفي الثانية مجتك منها على تقذذ وأمَّا الثّالثة حفظك الله منها ، لمّا تصحو البنت وقد سقطت منها كرامتها بين قدمي ذلك الرجل، كأنها المتاع الخرب تسقطه يد استيأست منه. أما قولك تجمع حولي صنوف الشباب وجعلوا يصفقون لأجلي ويعتجبون جمالي ويغامزون شبابي ويتضاحكون لي كما تتضاحك بلابل الفيافي لأقحوانة... إلخ فهي المغالطة الثانية، فما مثل تجمعهم حول متعك التي أذللتها لهم ودليتها منهم، إلا مثل تجمع الذُّباب القذر على القصعة المكشوفة المعرضة للأوساخ، ولو صنتها وأغلقت لها وكاءها، لما وصلتها تلك الأوساخ. وما صفقت لك يد شاب، إلا ولعنتك بقايا الفضيلة من قلبه إن وجدت وإلا فلا يغررنك تصفيق دعي بغي بذيء، إذ لا قيمة لها عند فتاة المرؤة والعفة والشرف، وأمّا التعجب والتغامز والضحكات المرتفعات، إن هي إلا أدوات صيد، فلا يخدعنك بها زهو لون العصا وتناسق الخيط ونعومة السنارة وحلاوة مذاق الطعم، فما زينوها لك إرضاء لسواد عينيك أو زرقتهما، إن فعلوه إلا إشباعا لنزواتهم، وريا لظمأ شهواتهم. و أما ادعاؤك أنك لست بفتانة لهم، وأنّ عليهم رفع تلك الأبصار عن مفاتنك، والتلهي عنها بمفاتن الطبيعة، فالصّارف لهم عن قبول رأيك يا أخت الفضيلة، أنَّ الطبيعة جمال ساكت، وأنت جمال متكلم! هي فتنة نائمة، وأنت فتنة يقظانة، هي لا تحرك غرائز الشباب فهي صاحبة فضيلة، وأنت بمفاسدك تشعلي لهيب قلوبهم فأنت صاحبة ...... ؟

يا أخت الفضيلة: هذا ما وعته عنك أذن صبي فسجلها عليك وأذاعها عنك، وهو على يقين لو اطلعت عليها لأقلقك الأمر، وحزبك الغم واجتاحك الهم، فكيف وهي محفوظة عليك كما هي، في ظاهرها وباطنها، وستذاع في يوم لا ينفع فيه مال، ولا شباب، ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وأين لك يا أخت الفضيلة ذلك القلب ما دمتي على هذه الحال ؟

يا أخت الفضيلة لن يتبقى لي إلا مناشدة بقايا الخصال الخيرة لتي لا تخلوا عنها أنثى والظن أن لك منها حظا ونصيب فيا أيتها الخصال الخيرة المغروسة في أختنا أخت الفضيلة أعلنيها ثورة على أختنا تقض مضاجع الغفلة فيها وتوقظ معالم الصحوة لديها وتدب محاسن الحياء عندها وتفجر مبادئ العفاف و الصفاء والنقاء منها عسى أن يكون من أخت الفضيلة متاب ومآب و هداية ورشاد فتصطلح مع أختها ومن تاب تاب الله عليه كيف وإن يد الله مبسوطة لأجلها أبدا في ليلها ونهارها تنتظر منها التوبة والعودة والأوبة فإن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار ويبسطها في النهار ليتوب مسيء الليل . وإن توبة ساقطة لن تكلفها أكثر من بسط زراعيها بين يدي ربها معلنة الصلح مع عفافها وطهرها وحيائها فكيف إن تأت هذا من أخت الفضيلة فا صطلحت مع أختها .