مقالات

التبرج داء قاتل سببه

بسم الله الرحمن الرحيم

أوهَمُوها أنَّها إذا ما كشَفَتْ الساقَ، وأبرَزَت النَّحْرَ، وأظهَرَت البطنَ أوهَمُوها أنَّها بهذا تكونُ آسرةً لأبصار الشباب، سارقةً لعقولهم، شاغلةً لقلوبهم، وعَمَّوا عليها أنَّ الشبابَ هم الذين أسَرُوا جسَدَها بشِباكِ شهواتِهم، واسترَقُوا كرامتَها بظَرْفِ كلامِهم، هي ظنَّتْ أنَّهم يُطلِقُون لها صيحاتِ التقدير والإعجاب، والحقُّ يقال: إنَّهم قد أطلَقُوا صيحاتِ التقدير والإعجاب، التقديرِ لأنفسهم التي خدعَتْها عن حيائها، والإعجابِ بأنفسهم التي أهانت نفساً قد صانَها الدينُ لها، وهتَكَت عِرْضاً قد حفِظَه الحياءُ لأجلها.

أوهَمُوها أنَّها لا تتساوى والرجلَ إلاّ إذا ما مثُلَت أمامَه في كلّ ميدانٍ ـ في العمل، والملعب، والملهى ـ وأغفَلُوا عنها هدفَهم الأبعدَ أنَّ عملَها بجانبهم إنَّما هو وسيلةٌ ليتمتَّعُوا بالنظر إليها لأكبر وقت ممكن دونَ أنْ يَنقدُوها إلاّ كلماتٍ معسولةً لا يتفضَّلُون بها عليها إلاّ ليأخُذُوا منها أغلى ما لديها.

أوهَمُوها أنَّ التزامَها بدينها، وتقيُّدَها بسترِها هو امتهانٌ لحرّيتِها، وانتقاصٌ لكرامتها، ولَمّا سألْناهم عن هذه الحريّة؟ قالوا: أنْ تصاحبَ فلاناً، وتُخالطَ فلاناً، وأغفَلُوا عنها أنَّ هذه ليست حريّةً منشودةً، بل هي وسيلةٌ خسيسةٌ لتكونَ لهم لقمةً سائغةً على جوعٍ من شهواتهم، وتزايدٍ من نزواتهم.

زيَّنُوا لها أنَّ زِيَّها الإسلاميَّ وحجابَها الشرعيَّ مقيِّدٌ لها، ومانعٌ لإبداعاتها، ومزعزعٌ لتقدّماتها العلميّة، وأغفَلُوا عنها أنَّ الحجابَ هو الوقايةُ لها من زيغ عيونهم، والحمايةُ لها من خُبْثِ نفوسهم، ولَمّا سُئلوا عن الفرق بين طبيبة أو مدرّسة ترتدي الزِّيَّ الإسلاميَّ، وبين أخرى لا ترتديه أوهَمُوها أنَّ الثانيةَ هي الطبيبةُ أو هي المدرّسةُ البارعةُ الحاذقةُ المبدعةُ.

قلنا لهم: حي حقّاً كما أرادُوها بارعةٌ في استثارة شهواتهم، حاذقةٌ في إشباع نزَواتهم، مبدعةٌ في بيع متعها بالمَجّان لهم، وأغفَلُوا عنها أنَّ زِيَّ الطبيبةِ أو المدرّسة المسلمة إنَّما هو نقلةٌ لها من أنْ تكونَ مبدعةً بجسدها حاذقة بمتعها إلى أنْ تكونَ مبدعةً بعقلها حاذقة بطرق إلقائها، فالطبيبةُ المسلمة الملتزمة لا تدَعُ الرجالَ يتلهَّون عن عقلها بجسدها، وعن علمها بمفاتنها، ومثلها المدرّسةُ الملتزمة قد ترفَّعَت عن أنْ تكونَ حبيسةَ شهَوات طلاّبها رهينةَ أهوائهم إلى أنْ تكونَ آسرةً لعقولهم بفنون علومها، مستشرفةً لاحترامهم بعظيم خُلُقِها، فمَن تجلَّتْ لناظرَيها هذه الحقيقةُ ـ أنَّها مخدوعةٌ ـ وأصرَّتْ على أنْ تكونَ صاحبةَ حريّةٍ زائفةٍ لتُعلِنَها حرباً ضَرُوساً على الحياء، وكلَّما غالبَتْه جولةً عرَّتْ من جسدها قطعةً، حتّى أظهَرَت من مفاتنها ما يكفي لإغواء جيل من الشباب، فهذه امرأةٌ ضعيفةُ الإيمان، قليلةُ الحياء إلاّ أنِّي سأتوجَّه إليها بكلمة أخيرة، عساها أنْ تؤتيَ أُكُلَها بإذْنِ ربِّها!

كلمةٌ أخيرةٌ

يا مَن باتَتْ تلهَثُ وراءَ تلك الحريّة الزائفة حتّى غدَتْ كظمآنَ في الصحراء يَجري وراء السَّراب يَحسَبُه ماءً حتّى إذا ما بلَغَه وجَدَه هباءً منثوراً كذلك هي إذا ما بلَغَت سرابَ حريّتها وجدَتْه هباءً، ووجَدَت عُرْيَها وخِزْيَها لتجدَ الله عنده فيُوفِّيَها حسابَها، أي: إنَّ مَن هذه حالُها إذا لم تُقلِعْ عن ارتياد المعاصي، وإذا لم تَقنَعْ بلباس التقوى فإنَّ سعيَها وراء حريّتها الزائفةِ سيُورِثُها سلسلةً لا تنتهي من الهموم والأحزان في الدنيا، وجعبةً من الذنوب والآلام والآثام في الآخرة

  (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) .

أمّا أنَّ سعيَها وراء حريّتها الزائفة سيورثُها في الدنيا سلسلةً من الهموم والأحزان لا نهايةَ لها فلأنَّها إذا ما أكلَ الدهرُ من جسدها وشرب، وأدبَرَت عنها أيّامُ شبابها، وأُفلِتَت منها معاني أنوثتها، عندها سيغدُو الذين تمنَّوا قربَها بالأمس وأطلَقُوا لأجلها ـ عنَيتُ: لأجل جسدها ـ صيحاتِ الإعجاب في منأًى عنها متقزِّزِين منها فلا يدَ حانيةٌ تضمُّها، ولا ملجأَ أمينٌ تأوي إليه، تُمعِنُ النظَرُ في المرآة لترى وجهاً مظلماً قد كسَتْه التجاعيدُ، وشعراً مُحتجباً عنها بالمَشيبِ، وظهْراً مُنحنياً لثقل ما اجترحَتْه يداها ورجلاها في غابر السنِينَ، ويداً تداخلَها رعشةٌ مهابةً من القدوم على القويِّ العزيزِ،

( إن في ذلك لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) .