حديثنا اليوم طروب، إلا أن الطرب فيه نوعان: الأول
إيقاعه شرقي هادئ، يستدعي مكنونات الفطرة، فترتعش له
حواشي النفس، وتنتعش منه العينان أمام جمال خلق الله
ودقيق حكمته وعظيم قدرته، ذلك الجمال الإلهي الذي لم
تعبث به يد عابث، ولم تفتك به أفكار ماجن، جمال يريك
من الرجل محاسن الرجولة، ويترك على الفتاة روائع
الأنوثة. ونوع الطرب فيه غربي مزعج، تقشعر منه
الأرواح، و تتقذذه الألحاظ، فهو خرب الأذواق، ممجوج
الطباع، مرذول الخصال، إذ إن له من طرب الفطرة و إنعاش
الروح، ما يكون لنعاق الحمير وعوي الكلاب، إذا ما نخرت
في الآذان، وقرعت الأذهان، وقضضت مضاجع النعسان!!! ذلك
إيقاع الطغيان البشري ووقع التمرد الآدمي على الفطرة
التي فطر الله الناس عليها، حيث جعلوا من المرأة
الناعمة اللينة الأسيلة ا للدنة المرهفة الجميلة،
جعلوا منها رجلا خشن الطباع، صلب القوام، قاسي الجنان،
قليل العاطفة، عديم الحنان، وأتى هذا الطغيان المرذول
على رجولة الرجل، فخنثها وضعفها، وأبطل خصال الخير
التي غرسها الله فيها، فأبدل شدته ميوعة، وأحال شكيمته
ليونة، وأدار عزيمته برودة، وقلب شجاعته وبطولته
وتضحيته خناعة وجبنا ووضاعة.
في أحد الأيام وقعت عيناي على فتاة في الرابعة من
العمر، رشيقة القوام، الوجه فيها أنصع بياضا من الثلج،
ولها من إبداع البديع خدين محدبين موردين، ينضحان عن
أطرافهما لون الحمار المشرئب فتنة البياض، كأنهما حمرة
الشفق، غير أنه في السماء وحيد دهره وفريد عصره، وهو
لها عند كل خد حمرة شفق، والثغر منها يتفتح عن بريق
اللؤلؤ والجمان، أما العينان فما ارتفع عن جفني غمضهما
على أجمل منهما لونا، وأوسع منهما حدقة، وقد شع فيهما
أمل الطفولة وأحلامها، والشعر عندها طويل أسود مذهب،
له من جبهتها ما للقمر من هالته المحيطة به، يتساقط عن
أطراف وجهها ليبلغ قريبا من عجزها، وهو على ما به من
طول مطواع أبدا أن هي طارت طار معها، وكيف هي حطت حط
عندها، يلعب به النسيم لخفته، ويعبث به المسير لنعومته
وانسيابه ورقته. كل هذا الحسن الذي ألبسه الله لها،
ازداد تألقا ونضرة في ثوبها الصغير، فهو قطعة حرير
تتموج بألوان الربيع، الناطقة بالجمال المفعمة
بالكمال، إن هذه الصغيرة لا تدع عين ناظر إليها مهما
انحسر عن قلبه الإيمان، لا تدعها ولا تفارقها إلا
مسبحة لله، متعجبة صنعته، مستعظما قدرته.
قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. أعذيك بكلمات الله
التامة، من كل شيطان وهامة، من كل عين لامة؛ ثم جال
البصر جولته، وعاد ليحط على تلك الآية، فوجدتها تتمايل
على سارية من السواري، وقد ألجأت ظهرها إليها، وحملت
بيدها نظارتها الشمسية، وغدت وكأنها تمثل دور ممثلة
لدور طالبة جامعية، تتكئ على جذع شجرة في قيظ الحر،
تنتظر عشيقا لها! قلت في نفسي: لئن أصبت التشبيه وكانت
تمثل الدور حقا، فيا أسفاه على بنت الإسلام، حتى صفاء
الطفولة لم تسلم لها، ما ضر أهلها لو حفظوا لهذه
الصغيرة ذلك الطهر والصفاء عن زلات الكبار؟! أتراهم
يتشوقون ليروا ابنتهم وقد شبت ونشبت عن الطوق، وإن هم
أحبوا لها هذه الصورة وركنوا لهذه الأخيلة، وأرادوا
منها الكبر على صغرها، والنضج على طفولتها، فلما لم
يتخيلوا لها كبرا مشرفا، كبرا يليق ببنت الإسلام، ثم
سألت الله لها الحفظ من الزلل، وأن يجعلها على قدم
فاطمة بنت خير المرسلين. اقتربت مني هذه الصغيرة فخفضت
لها جناح الرحمة، ودنوت من الأرض وسلمت عليها، ففاجأني
أحد المدعوين قائلا: هذا صبي وما هو بالبنت!!! قلت له
بفم فتح عن آخره: آاه شو شلون؟!!! قال: هذا صبي وليس
ببنت، وأشار إلى موضع القرط من أذن ذلك الصبي المتخنث،
فكان بلا قرط، وكأن أهله ـ أصلحهم الله قد تركوا له
محلا للصلح مع رجولته، إذا أحب يوما أن يصطلح معها
ويؤب إليها، فأبقوا أذنه على الفطرة الذكورية التي
خلقه الله عليها، فلم يؤنثوها له.
قالت لي نفسي سبحان الله نحن برجال الأمة وهم يلبسون
بزة الرجولة أصابتنا سهام الذل والصغار، فكيف ونحن
نجعل منهم نساء ونلبسهم أزياء البنات؟!!
كيف و نحن ننظر إلى البنت فتستحسنها العين فتنزوي عنها
مخافة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا
بخليلها يناديها: حمودة!!! أصلحك الله يا حمودته، لم
تكتف أن أنثت منك الشكل فغدوت مخنثا، بل زدت على ذلك
تأنيث اسمك الذي هو العلامة الوحيدة الفارقة بينك وبين
الأنوثة، ثم لو أنك تدري يا حمودة أي الأسماء أنثت،
إنه اسم أشرف الخلق، وزين الرجال، وأكملهم، وأشجعهم،
إنه اسم فخر الإنسانية، و سيدها، إنه اسم محمد صلى
الله عليه وسلم، و كأنه لما انحسر سلطان ذلك الاسم من
قلبه، ضاق وجهه عن تحمل معاني كماله، فنقلق مخنثا،
وحاشى لمخنث متسكع أن يحمل اسم محمد، فإذا به يحرم من
أشرف الأسماء، ليصبح اسمه حمودة.
إنه وإن كان لمن المستغرب المستقبح حقا تشبه الفتيات
بالشباب، إلا أن ملتمس الأعذار ربما التمس لهن عذرا،
أنهن خدعن بزيف المساواة الموهومة، فأرادوا الاعتياض
عما فات أنوثتهم منها في مجتمعات الجهل، ومن ثم
انسلخوا عن أنوثتهم إلى رجولة مجتمعهم الجاهل الظالم،
ولكن كيف بالشباب ينحدرن عن معادن الرجولة والشهامة
والأخلاق متخنثين متشبهين بالنساء، فكيف وقد تركن حالة
الكمال التي أمرهم الله بالحفاظ عليها وأداء حقوقها،
كيف وقد لعن رسول الله الرجال المتشبهين بالنساء، كما
أنه لعن المتشبهات منهن بالرجال، ورحم الله من وضعوا
لنا لغة العرب لو جال بخاطرهم أن يوما سيأتي لا تفرق
بين هو ولا هي، فتأتي لتقول: يا هو فتوبخك قائلة إنما
أنا هي، وتأتي لتقول يا هي فتثير حميته ويقول: إنما
أنا هو، لو علم وضاع اللغة أننا سنصل إلى هذا الانحطاط
والتسفل، أتراهم وضعوا لنا لفظا وسطا بين هو وهي، حتى
إذاما خذلك البصر، وأخطأك الضمير، وخيبك التعبير،
أسعفك ذلك اللفظ .