|
|
|
مقالات
المنصور يستغيث بالناصر
كان أبو جعفر المنصور خليفة من الخلفاء
العباسيين الذين بلغت أراضي ملكهم الشرق والغرب وكان
صهيل خيله يمزق هدوء المحيط الأطلسي وصيحات رجاله يملأ
صداها أودية الشرق وكان ممن أحكم قبضته على حكم مملكته
فيصدر الأمر في بغداد فتستجيب له مشارق الأرض
ومغاربها ويقف بين يديه الرجل فريتعد خوفا وهيبة
وتسمع به ملوك العجم فتخضع لأمره رهبة ورعبا كان
الخليفة أبو جعفر المنصور يعيش في خلافته يتقلب في
عظمة الملك وقوة السلطان يخضع له الرجال ويضعف أمامه
الأقوياء ويذل بين يديه الأعزاء وبغض النظر عن هذا
المُلك أكان بحق أو بغيره وهل كان هذا السلطان مع
العدل أو بدونه فإنه عز عظيم ومجد رفيع ولكن يأبى الله
العزة المطلقة إلا له والمجد الكامل إلا لنفسه فهو
الذي ذلت له رقاب الجبابرة وتواضعت لعظمته أنوف
الملوك وخشعت بين يديه الأفئدة من كل كبير وصغير وعظيم
وحقير وهو الذي كتب على عباده كؤوس الفناء فلا يدوم عز
ولا يبقى سلطان وهو الذي قهر عباده بما كتبه عليهم من
كأس المنية وسكرة الموت وهو الذي قال لأحب خلقه إليه
(إنك ميت وإنهم ميتون) وهو الذي قال لعباده (كل من عليها
فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وهو الذي قال (كل
شيء هالك إلا وجهه) فتصحوا القلوب من غفلتها عندما
يأتيها داعي الله وتستفيق الأفئدة من رقادها عندما
يذيقها جبروت قوله (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)
وهذا ما نطق به لسان أبي جعفر المنصور عندما قال بلسان
حاله ومقاله وهو في سكرات الموت عندما طلب ممن حوله
ممن كانوا يدينون له بالتعظيم والإكبار أن يضعوا رأسه
على الأرض فأجابوه طاعة له واستجابة لأمره فوضع رأسه
على التراب وجعل يقول تلك الكلمات التي هزت جبروت كل
جبار وخلعت قلب كل مختال اللهم يا من لا يزول ملكه
ارحم اليوم من زال ملكه ونحن نقول بلسان حالنا ومقالنا
اللهم يا من لا يزول ملكه ولا يفنى عزه ولا منتهى
لكبريائه ولا نفاد لغناه نسألك أن ترحم ذل عبدك الذي
تخلى لك عن عرش عزه المزيف ورضي بالوقوف على بابك
ذليلا لعلمه أن الوقوف على بابك غاية العز والذي
استغنى عن خزائن خلقك لعلمه أن استغناءه بالخلق غاية
الافتقار وأن افتقاره إليك غاية الغنى فنسألك أن ترحم
وأن تكرم وأن تهب ذلنا لعزك وافتقارنا لغناك وجهلنا
لعلمك وضعفنا لقوتك يا أرحم الراحمين.
|
|
|