شتان بين أن يعشق جسد جسدا ً وبين أن تعشق الروح روحا
ً فالأول زائل بزوال الجسد قضيته قضية زمان إلى الفناء
أقرب منه إلى البقاء وعلى العكس منه الثاني إذ إنه عشق
باق ببقائها أضف إلى ذلك أن عشق الجسد قد كثر أدعياؤه
حتى اختلط فيه الأكابر بالأراذل وأوصلت إليه طرق
الغواية كما أرشدت إليه معالم الهداية والثاني عزيز
نادر لا يوصل إليه إلا روح قد صفت عن كدرات الوجود
وترفعت بأصحابها عن غفلات القلوب إن سبب كتابتي لهذا
المقال طفل لم تتخط أيامه الثمانية عشر شهرا ً ففي يوم
الثلاثاء 15 صفر 1427 الموافق 14 آذار
2006 سمعت صوت طفلي الحبيب
يطلب الاستغاثة صوت أنبأني لتوه أن براءة هذا الطفل
زجته في معترك مع أبريق الشاي الساخن لتنجلي غبار هذه
المعركة وقد أعلناه ثورة ظالمة على وجه هذا الطفل فإذا
بي أتنبه إليه وعواصف الرعب قد استرقت جسدي واضطرب مني
القلب حائرا ً أينسل من مخدعه ليواسي ذلك الطفل ويخفف
بعواطف الأبوة المستعرة فيه دموع البنوة وبين أن يبقى
في مكانه لأنقذ منه ما يتجوز له الإنقاذ
تعاورتني في تلك اللحظة هواجس شيطانية كادت أن تحيد بي
عن التسليم لقضاء الله والاستسلام لقدره
ولولا أن بواعث الرجولة تعمل في ذلك الوقت في الأب
عملها والعناية الإلهية تتدخل في تلك اللحظة ليتلطف
بالأقدار خالقها ليبست مني الأضلاع وحبست عن المسير
الأقدام إلا أن بعض الرجولة ثبتتني وسلطة العناية إلى
المشفى أوصلتني فعمل فيه الأطباء عملهم وأصلحوا من
ظاهر وجهه ما أراد الله له الإصلاح لأعود به للبيت
بوجه شابه التشويه فلا الوجه وجهه ولا الجفن جفنه وكنت
إن خطف منه بصري نظرة الأب خيل إلي أن لم يبقى لهذا
البصر من وجه ذلك الطفل إلا بسمة البراءة تخاطبني أنا
هو حبيبك بشر ليقول له حالي قد لوعت فوأدي وجرعته
غصاصة الأسى وأتخمته طعمة الأحزان
وانتابني منه ما ملخصه أب سول له إبليس أن ابنه قد
انتهى من الحياة قسمه واستمرت بي حالة الشقاء حالة
الغفلة عن الله
إلى أن عايشت قلبي وأنعشته خواطر إيمانية وخاطت روحي
معان نورانية قد نقلني الله بها من التمرد الخفي إلى
الامتثال والرضا عن أمره الجلي
حتى إذا ما غذت قلبي هذه التيارات وأضاء لساني ذلك
المصباح مصباح الذكر والاحتساب ساورني وارد قوي مازال
متمسكا بي إلى أني طرحته على طيات هذه الورقة: ما بال
محبتي لولدي لم تتغير بعد أن زال عن وجهه جماله
المعهود وكيف بي لو كان ما أصابه قد نزل بشخص آخر
لطارت منه روحي فرقا وأعرض عنه بصري وجلا بل الأعجب أن
هذا الحب لولدي قد تمدد في داخلي سلطانه والشوق إليه
وهو بجواري قد اشتد وكأنه تناءت عني أوطانه وعندما
فتشت عن سبب هذا الشوق الذي خامر ذهني ونازل قلبي خلصت
إلى هذا العنوان ((إنما تعشق الروح الروح )) إذ لو
كانت نظرتي لولدي الطاهر من الذنوب المبرأ من الآثام
نظرة جسد إلى جسد لكنست يد التشويه محبته عن قلبي
ولارتد إلى البصر خائبا ً بعد أن غيبت عنه معالم
الجمال كما أن محبة الزوجين لو خلت من الود والرحمة
لما وسعهما بعد الضمة والقبلة إلا الفراق والوحشة لأن
هذه الأشياء من أعمال الجسد إلا أن الله تعالى أراد
لهما حياة السكن فزرع في أحضان الشهوة المشروعة مودة
منه ورحمة وأما تفسير ازدياد المحبة فإنه لما كان
الجسد سليما ً والجمال فيه بينا حجبت روحي عن بعض
أنوار روحه وتلهت عنها بالتمتع بالجمال الظاهر فلما
غاب عن ساحة العين ذلك الجمال المتعلق بالجسد عندها
تحول تسليط المحبة وانتقل منه إلى الروح إذ إن الأخيرة
قد قويت منها المشاعر وعظم لديها الإحساس كالأعمى لما
انطفأ نور بصره تيقظت منه أنوار بصيرته وقويت لديه
بقية حواسه وهكذا لما عمي البصر عن جمال الظاهر طفقت
الروح تلتقط معاني الروح الأخرى وقد زالت فيما بينهما
كلفة الجسد .