مقالات

من أين البداية

كثيراً ما اجتمع المجتمعون وتحاور المتحاورون في مجالس متعددة ومتنوعة يبحثون قضية هامة تدور حول واقع هذه الأمة الذي نسلِّم جميعاً بصعوبته ونقرُّ جميعاً بخطورته فالخلل على مستوى الشيب والشباب والذكور والإناث وأصحاب المسؤوليات ومن تحت أيديهم فما من زاويةٍ من زوايا الحياة في هذه الأمة إلا وتعاني فيها خللاً ولعل من الخطأ الكبير أن يسترسل الإنسان في ذكر المرض حتى يستعظمه ثم لا يجد له حلاًّ فإن استعظام المشكلة من أسباب العجز عن حلها وإن استصغار المشكلة من دواعي الهمّة في حلها وهنا يختلف الباحثون في تعيين الخطوة الأولى لحل المشكلة وإزالة هذه الأزمة وسد هذه الثغرة وبعد اختلافهم الواسع وتفرقهم في هذا المجال مذاهب شتى نصل جميعاً إلى نقطة يتفق عليها الجميع وهي أن أول من يقوم بهذا الحل ويسعى إليه هم الدعاة فإذا لم يكونوا جزءاً من المشكلة فإنهم البداية في الحل ومن عندهم الانطلاق في السعي إلى تحقيق خير هذه الأمة وإعادتها إلى طريق عزِّها ومجدها وهنا نجد أنفسنا أمام المسؤولية الكبيرة الملقاة على الدعاة في إنقاذ هذه الأمة وفي إخراجها من هذا المضيق وإن تقصير الدعاة في مهمتهم أو خطأهم فيها لهو أخطر من البلاء نفسه فإن الأخطر من البلاء أن يكون الخلل في الدواء وأن يكون المرض من الطبيب فينبغي إذاً أن يعود الدعاة إلى وظيفتهم إلى واجبهم إلى مهمتهم ينبغي على الدعاة أن يعرفوا أنفسهم والمسؤولية الملقاة عليهم ينبغي على الدعاة أن يعلموا أنهم المنقذون في هذا العصر وأنهم حبل النجاة الذي إذا فقدوه فليس بعده حبلٌ إلاّ الثقة المطلقة بالله عزّ وجلّ ينبغي على الدعاة أن ترتقي همتهم إلى تحقيق هذه الغاية وأن يترفعوا عن سفاسف الهمم وصغائر الأمور التي من الممكن أن تشغل غيرهم ينبغي على الدعاة أن يعلموا أن المنقذ إذا لم يتقن السباحة غرق وأغرق غيره بل وقطع الأمل عند هذا الغريق الذي تعلق قلبه وبصره بهذا المنقذ فالأمة اليوم تعلقت قلوبها وعقولها وتوجهت أبصارها نحو الدعاة لعلمها أنهم ورَّاث النبي صلى الله عليه وسلم  الذي قال فيه ربنا عزّ وجلّ [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين] وإن الوراثة المحمدية تستلزم أن يمتلك الدعاة نصيباً وافراً من هذه الرحمة التي كانت في قلب النبي عليه الصلاة والسلام رحمةً للعالمين وشفقةً على المذنبين وحناناً على الأمة وعطفاً على أبنائها همّاً على مستقبلها وحرصاً على آخرتها وسعياً في إنقاذها وجداً في تحقيق كلّ ما يسعدها وينفعها فيا دعاة الإسلام تعالوا بنا نصحح مسيرتنا لنكون دعاةً حقيقيين على منهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعالوا بنا نحمل هذه الأمة ونأخذ بيدها من واقعها المؤلم إلى مستقبل مشرق تعالوا بنا لنقود سفينة الإنسانية الحائرة المتخبطة في أمواج شقائها لنسير بها إلى ساحل سعادتها وهنائها وعزها ومجدها تعالوا بنا نجدد قضية الإخلاص في قلوبنا أولاً وإصلاح الذات ثانياً بما تحتويه هذه الكلمة من إصلاحٍ للقلب والروح والعقل والفكر والسلوك والأخلاق والقيم والمبادئ تعالوا بنا نعد إلى مواقعنا التي ينبغي علينا أن نكون فيها تعالوا بنا نجلس في مساجدنا لنكون مع الناس وبين الناس نعلمهم ونرشدهم يقتدون بحالنا قبل أن يسمعوا أقوالنا ويرون الإسلام بأعينهم قبل أن يسمعوه بآذانهم تعالوا بنا يا أيها الدعاة فإن الأمة تناديكم وتستغيثكم تعالوا بنا فإن الوقت يمضي سريعاً والآلام على الأمّة تزداد والمصائب تكثر وما ينبغي للطبيب أن يتشاغل عن مريضه في ساعة الخطر بأي شاغل فكيف إذا كان المريض أمّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والطبيب وارثٌ من ورَّاث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأذنوا لي في الختام أن اقرأ بين أيديكم قوله تعالى :

 ( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) .