مقالات

لئن كنت لأنين الجذع مطببا ً و لحزنه مسكنا ً فمن لأنات قلوبنا

بسم الله الرحمن الرحيم

كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب اتكأ بيده العطرة اللينة على جذع نخلة ثم صنع له المنبر ولما مر بذلك الجذع صاعدا المنبر مبتدئا الخطبة إذا بالجذع يطلق أنات متتابعة كأنها صوت صبي فقد أمه فهو أبدا في شوق وجزع في تأوه ووجع نزل صلى الله عليه وسلم وأتى ذلك الجذع ليضمه إلى صدره سكن الجذع وانقطع الأنين ارتقى صلى الله عليه وسلم المنبر ثانية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((إن هذه النخلة إنما حنت شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارقها، فو الله لو لم أنزل إليها ، فأعتنقها لما سكنت إلى يوم القيامة.!!))

لله دره من جذع جَذِعَ و لمَّا يبتعد عنه صلى الله عليه وسلم سوى أمتار معدودة فإذا به قد أنى و بكى و حن واشتكى! أي روح تملك وهو الجماد وأي شعور تذوق وهو اليـباس؟! واخترق هذا الصوت المستفهم أسوار الأزمان رجوعا إلى الوراء عبر وريقات من كتب السيرة فوجده صلى الله عليه وسلم قد أحب الجبل وأحبه الجبل فقال هذا جبل يحبنا ونحبه والمدينة يوم دخلها صلى الله عليه وسلم أضاءت ابتهاجا به ويوم رحيله عنها أظلمت وجدا ً عليه وأما الشجرة لما دعاها انتزعت جذورها من الأرض عزيمة الأشواق وأتت بها إليه ووقفت بها بين يديه صلى الله عليه وسلم ولما ارتفعت الحصى بيده الشريفة سرت إليها معاني الوداد فإذا هي تسبح الله بصوت سمعه الصحب الكرام ثم جرت الأوراق تترى وتوقفت عند هذا الخبر كان لآل رسول الله وحش إذا خرج صلى الله عليه وسلم لعب واشتد وأقبل وأدبر فإذا أحس بعودته صلى الله عليه وسلم دخل وسكن ولم يتحرك مخافة أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضجيجه ولعبه وقرأ ذلك الصوت المستفهم فيما قرأ أن يهودية دفعت إليه بشاة مسمومة ولما هم بتناولها أبى حبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يناله بسببها أذية فمزقت لأجله غلف البهمية واخترقت في سبيل حبه عجمة الحيوانية بل وزحزحت عنها حجب الاعتياد فتكلمت وهي المصلية المشوية قالت يا رسول إني مسمومة

ثم مضى ذلك الصوت المستفهم فحط على قصة محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير أن حبه ترياق للقلوب الراكدة ونفحات للأرواح الساكنة وذلك أن جنسه من جنسنا وطباعه من طباعنا وما ركب فيه مركب فينا غير أنه محب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم يحيى ويموت وهو خالِ عن هموم الدنيا، شارد عن مصائبها، مترفع عن مغرياتها،همه الوحيد خوف مفارقة المحبوب وبعده عنه في المستقبل، إذ كان رفيق حاضره، وأنيس وحدته، وسمير ليلته(( جاء ثوبان رسول الله، صلى الله عليه وسلم وقد تغير لونه، فقال له صلى الله عليه وسلم: [ما غيرَّ لونك؟] فقال: يا رسول والله ما بي مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أراك، استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة، فأنا في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة، لا أراك أبداً، فأنزل الله هذه الآية: : [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً] فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ الآية عليه

فأغلقت الكتاب وعدت على نفسي أمطرها وابلا من التهم قلت لها لماذا أحبوه فأنت قلوبهم شوقا ً إليه وهو بالقرب منهم وحلقت أرواحهم عودا ً إليه ولما يرتحل عنهم ففدوه بالأموال والأنفس والأولاد تعشقوا منه كل شيء فعشقوا فيما عشقوا اسمه فكان ذكره تـفكه الأرواح ونبضة القلوب وتلذذ النفوس ومرضاة علام الغيوب تعشقوا طيب جسده ووضاءة وجهه ولين كفه وبركة عطيته بل إن فيهم من استعذب فضلة مائه و منهم من استطاب موضع طعامه وفيهم من استذكى عرقه الطيب و استساغ نخامته الشريفة فلما كل هذه الأشواق إليه قد تأتت منهم وتيك معاني الوداد قد تضوعت عنهم وقلبي أبدا ساكت لايئن ولا يحن قالت رأوه ولم أره وعاينوا طيب معشره ولين عريكته وكريم خلقه وغزير دمعته ووقيد جوانحه وشجي نشيجه ولم أعاين من ذلك شيء فأطرقت يسيرا ثم سمعت صوتا من قرارة وجداني يقول ولكن كل ذلك قد وصلنا عن طريق من أحبه رووه لنا كما عاينوه

قالت ولكن ليس راء كمن سمع قلت ربما هذا الكلام حجة لك ولكن كيف والسماع مفتاح للتخيل والتصور وهما مفتاحا الشوق و الشوق إن أعقبه لقاء للمشوق سكن وهدأ واطمأن وإلا اضطرب واستحال أنينا وحزنا على عدم لقاء المحبوب فما بالك إذا كان ذلك المحبوب قد بادرنا بالأشواق قبل وجودنا وشرفنا بموآخاته قبل ظهورنا فقال صلى الله عليه وسلم وا شوقاه لإخواني

ألا تستحين أن تكوني المشوقة ونبيك هو المشتاق ألا تأسفين أن تكويني المطلوبة وخير الخلق هو الطالب

هنا تاقت النفس وجاش الصدر واشتاق القلب وتصعد الأنين

فقلت يا رسول الله :

(( لئن كنت لأنين الجذع مطببا و ولحزنه مسكنا فمن لأنات قلوبنا)) يا رسول الله كيف وقد غد لقلوبنا أنينان أنين الندم على ما نقطع من الأنين وأنين الشوق بعد عود الأنين